طَلَبَ عَمُّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم العبَّاسُ بن عبد المطلب رضي الله عنه من النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنْ يُعَلِّمَه دعاءً يسألُ اللهَ إياه، فعلَّمَه صلى الله عليه وسلم أنْ يسألَ الله العافية والسلامة من الآفات والعيوب في الدين والدنيا والآخرة، قال العباس: وبعد أيامٍ عُدتُ إليه صلى الله عليه وسلم مرة أخرى أسألُه أنْ يُعلِّمَني دعاءً أطلبُه من الله، فقال صلى الله عليه وسلم له مُتودِّدًا إليه: يا عباس، يا عمَّ رسول الله، سَلِ اللهَ العافيةَ لدفع كلّ ضُرٍّ وجَلْبِ كلِّ خيرٍ ونفعٍ في الدنيا والآخرة.
من فوائد الحديث
تَكرار النبيِّ صلى الله عليه وسلم نفسَ الإجابةِ للعباس حين سألَه للمرة الثانية يدلُّ على أن العافية هي خير ما يَسأل العبدُ ربَّه.
بيان فضل العافية وأن فيها جماع الخير في الدنيا والآخرة.
حرص الصحابة رضوان الله عليهم على الاستزادة من العلم والخير.
المراجع
سنن الترمذي (5/ 491) (3514).
مسند أحمد (3/ 303) (1783).
نزهة المتقين شرح رياض الصالحين (2/ 1014).
كنوز رياض الصالحين، لمجموعة من الباحثين (17/ 468).
بهجة الناظرين شرح رياض الصالحين، لسليم الهلالي (2/ 566).
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم ِإنِّي أَسأَلُك الهُدَى، والتُّقَى، والعَفَاف، والغِنَى».
صحيح · رواه مسلم
الشرح
سأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه العلمَ والتوفيق للحق، وأن يُوفِّقه إلى امتثال ما أمر به وترك ما نهى عنه، وأن يعفه عن كل ما حرَّم عليه فيما يتعلق بجميع المحارم التي حرَّمها عز وجل ، وسأله كذلك الغنى عن الخلق، بحيث لا يفتقر إلى أحد سوى ربَّه عز وجل .
من فوائد الحديث
الخضوع إلى الله واللجوء إليه في كل الأحوال.
أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، وأن الذي يملك ذلك هو الله.
إبطال التعلَّق بالأولياء والصالحين في جلب المنافع ودفع المضار.
حاجة النفس إلى مكارم الأخلاق؛ لتستقيم على أمر الله، ولتخاف عقابه وترجو رحمته.
وجوب التزام التقوى.
الكف عن مباشرة المعصية، وإن كان المكلف قد عزم على فعلها.
شرف هذه الخصال: الهدى والتقى والعفاف والغنى.
معاني الكلمات
الهُدَى
الدلالة والرشاد، والعلم.
التُّقَى
التقوى: وهي فعل الأوامر واجتناب النواهي.
العَفَاف
الكف عما لا يحل ولا يجمل من قول أو عمل.
الغِنَى
ضد الفقر، والمراد به: غنى النفس، والاغتناء عن الناس وعما في أيديهم.
المراجع
بهجة الناظرين شرح رياض الصالحين، سليم بن عيد الهلالي، دار ابن الجوزي، الدمام، الطبعة: الأولى 1415هـ.
تطريز رياض الصالحين، فيصل بن عبد العزيز المبارك، تحقيق: عبد العزيز بن عبد الله آل حمد، دار العاصمة للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة: الأولى 1423هـ، 2002م.
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين، أبو زكريا محيي الدين النووي، تحقيق ماهر الفحل، دار ابن كثير، دمشق، بيروت، الطبعة: الأولى 1428هـ.
كنوز رياض الصالحين، مجموعة من الباحثين برئاسة حمد بن ناصر العمار، كنوز إشبيليا، الرياض، الطبعة: الأولى 1430هـ.
شرح رياض الصالحين، محمد بن صالح العثيمين، دار الوطن، الرياض، الطبعة: 1426هـ.
صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة: 1423هـ.
نزهة المتقين شرح رياض الصالحين، مجموعة من الباحثين، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة: الرابعة عشر 1407هـ.
كانَ أكثرُ دعاء النبي صلى الله عليه وسلم سؤال الله الثّبات على الدين والطاعة، والبعد من الزيغ والضلال،
فتعجَّب أنس بن مالك رضي الله عنه من إكثار النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الدعاء، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن القلوبَ بين أُصبعَينِ مِنْ أصابعِ اللهِ يُقَلِّبها كيف يشاء،
فالقلب هو محطُّ الإيمان والكفر، وقد سمي القلب قلبًا لكثرة تقلُّبه؛ فهو أَشَدُّ انقِلابًا مِن القِدْرِ إِذا اجتمعَتْ غَلْيًا، فمن شاء الله أقام قلبه على الهدى، وثبته على الدين، ومن شاء الله صرف قلبه عن الهدى إلى الزيغ والضلال.
من فوائد الحديث
خضوع النبي صلى الله عليه وسلم لربِّه وتضرُّعه إليه، وإرشاد الأمة إلى سؤال ذلك.
أهمية الاستقامة والثبات على الدين، وأنَّ العبرة بالخاتمة.
العبد لا يستغني عن تثبيت الله له على الإسلام طرفة عين.
الحث على الإكثار من هذا الدعاء، تأسِّيًا بالنبي عليه الصلاة والسلام.
الثبات على الإسلام هو النعمة العظمى التي ينبغي على العبد أن يسعى إليها ويشكر مولاه عليها.
المراجع
سنن الترمذي (4/ 19) (2140).
مسند أحمد (19/ 160) (12107).
كنوز رياض الصالحين، لمجموعة من الباحثين (17/ 476).
بهجة الناظرين شرح رياض الصالحين، لسليم الهلالي (2/ 567).
دَعَا النبيُّ صلى الله عليه وسلم بِدُعاء جَمَعَ فيه أصولَ مَكارِمِ الأخلاقِ التي بُعِثَ لإتمامها؛ وهي صلاح الدين، والدنيا، والآخرة، فاستقى في هذا اللفظ الوجيز صلاح هذه الجوامع الثلاث، وبدأ بصلاح الدين وبه صلاحُ حالِ الدَّارَين فقال:
(اللهم أصلح لي ديني) بأنْ توفقَني للقيام بآدابه على الوجه الأكمل الأتمّ.
(الذي هو عصمة أمري) وحافظٌ لجميع أموري، فإنْ فَسَدَ ديني فَسَدت أموري، وخِبْتُ وخَسِرتُ، ولأنه لا يتم صلاح الدين المطلوب إلا بصلاح الدنيا فقال:
(وأصلح لي دنياي) بإعطائي صحةَ البدن والأمن، والرزق، والزوجة الصالحة، والذرية الطيبة وما أحتاج إليه، ويكون حلالًا، ومُعِيْنًا على طاعتك، ثم ذَكَرَ العُذْرَ في سؤاله إصلاحها؛ بأن قال:
(التي فيها معاشي) ومكان عيشي وزَمَنُ حياتي.
(وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي) وعَوْدِيْ إلى لقائك وذلك بصلاح الأعمال، وتوفيق الله للعبد على العبادة والإخلاص، وحسن الخاتمة.
ورَتَّبَ صلى الله عليه وسلم الآخرة بعد الدنيا؛ إذ الأُولى هي وسيلة إصلاح الثانية، فمَن استقام في دنياه وِفْقَ مُرَاد الله، استقامت له آخرته وسعد فيها.
(واجعل الحياة) وطول العمر (زيادة لي في كل خير) أتكثَّر فيها من الأعمال الصالحة، (واجعل الموت) وتعجيلَه (راحة لي من كل شرٍّ) وفتنةٍ ومِحْنَةٍ وابتلاء بمعصية وغفلة، وخلاصًا من مَشَقّة الدنيا وغمومها، وحصول الراحة.
من فوائد الحديث
الدين أهمُّ شيء؛ لهذا بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء.
الدين عِصْمَةٌ للإنسان يَمْنَعُه من كلّ شرٍّ.
الدعاء بالأمور الدنيوية من أجل صلاح الدين والآخرة.
لا يُكرَه تَمَنِّي الموت خوفًا من الفتنة في الدين، أو سؤال الله الموت على الشهادة.
المراجع
صحيح مسلم (4/ 2087) (2720).
توضيح الأحكام من بلوغ المرام، لعبد الله البسام (7/ 581).
منحة العلام في شرح بلوغ المرام، لعبد الله الفوزان (10/ 471).
فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام، لابن عثيمين (6/ 512).
سبل السلام بشرح بلوغ المرام، لمحمد الصنعاني (2/ 715).
كانَ مِن أَدعية النبيِّ صلى الله عليه وسلم الجَامِعة قوله:
"رب اغفر لي خطيئتي" وذنبي، "وجهلي" وما وَقَع مِنِّي بدون علم.
"وإسرافي في أمري كله" وتقصيري وتَجَاوُزِيْ للحد.
"وما أنت أعلم به مني" عَلِمْتَه أنت يا الله ونَسِيْتُه أنا.
"اللهم اغفر لي خطاياي وعمدي" وما صَدَر عَن عَمْدٍ مني وعِلْمٍ مني بالذنوب.
"وجدي وهزلي" وما صدر عن مُزَاح، وما وَقَع مني في الحالين.
"وكل ذلك عندي" حيث جَمَعتْ ما ذُكِرَ من الذنوب والعيوب.
"اللهم اغفر لي ما قدمت" فيما مضى، "وما أخرت" فيما سيأتي.
"وما أسررت" وأخفيت، "وما أعلنت" وأظهرت.
"أنت المقدم وأنت المؤخر" تُقدِّم من تشاء من خلقك إلى رحمتك بتوفيقك لما ترضاه، وأنت تؤخر من تشاء عن ذلك بخذلانك إياه، فلا مُقَدِّمَ لما أخرت، ولا مؤخِّرَ لما قدمت من الأمور.
"وأنت على كل شيء قدير" كامل القدرة تام الإرادة، الفعال لكل ما تشاء.
من فوائد الحديث
فضيلة هذا الدعاء، والحرص عليه اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.
النهي عن الإسراف وأنَّ المسرف مُعَرَّض للعقوبة.
الله تعالى أعلم بالإنسان من نفسه، فعليه أنْ يُفَوِّض أمرَه إلى الله؛ لأنه قد يخطئ وهو لا يدري.
الإنسان قد يُؤاخَذ على هَزْلِهِ كما يُؤاخذ على جِدِّه، فيجب على الإنسان أنْ يَحْتَرِس في مُزاحِه.
قال ابن حجر العسقلاني: لم أَرَ في شيءٍ من طُرُقه محل الدعاء بذلك، وقد وقع معظم آخره… كان يقوله في صلاة الليل، ووقع أيضًا أنه كان يقوله في آخر الصلاة، واختلفت الرواية هل كان يقوله قبل السلام أو بعده؟ بكلامها وَرَدَ.
هل النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطئ ليستغفر؟ قيل بأنه قاله متواضعًا وهَضْمًا لنفسه، أو عَدَّ فَواتَ الكمال وترك الأولى ذنوبًا، أو أراد ما كان عن سهو، أو ما كان قبل النبوة، وقيل: الاستغفار تَعَبُّدٌ يجب أتيانه، لا للمغفرة، بل تعبدًا، وقيل: ذلك تنبيه وتعليمٌ لأمته؛ كي لا يأمنوا ويتركوا الاستغفار.
المراجع
صحيح البخاري (8/ 84) (6398).
صحيح مسلم (4/ 2087) (2719).
منحة العلام في شرح بلوغ المرام، لعبد الله الفوزان (10/ 467).
لم يَكُن النبيُّ صلى الله عليه وسلم يتركُ هؤلاء الدَّعَوات حين يُمسي وحين يُصبح:
(اللهم إني أسألُكَ العافيةَ)، والسلامة من الأسقامَ والبلايا والشدائد الدنيوية، والشهوات والفتن الدينية (في الدنيا والآخرة) العاجلة والآجلة.
(اللهمَّ إني أسأَلُكَ العفو) ومَحْوَ الذنوب والتَّجَاوزَ عنها، (والعافيةَ) والسلامة من العيوب، (في دِيني) من الشرك والبدع والمعاصي، (ودنياي) من المصائب والأذى والشرور، (وأهلِي) زوجاتي وأولادي وقرابتي، (ومالي) وأموالي وعملي.
(اللهم استرْ عَوراتي) وما فيَّ من العيوب والخَلَل والتقصير وامْحُ ذنوبي، (وآمِن رَوْعاتي) وفَزَعي وخوفي.
(اللهم احفظْني) وادفع البلاء عني من المؤذِيات والبلاء، (من بين يديَّ ومِن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي) حيث سألَ أنْ يحفظَه الله من جميع الجهات؛ لأن البلايا والآفات إنما تَلْحَق الإنسانَ وتُقبِلُ إليه من إحدى هذه الجهات.
(وأعوذُ بعظمتك أن أُغْتَال) وأؤاخَذ بَغْتَة، وأَهْلِكَ غفلةً (من تحتي) فأهلك بالخَسْف.
من فوائد الحديث
المحافظة على هذه الكلمات اقتداءً بالرسول صلى الله عليه وسلم.
الإنسان كما هو مأمور بسؤال الله العافية في الدين كذلك مأمور بسؤالها في الدنيا.
قال الطيبي: عَمَّ الجهاتَ الست؛ لأن الآفات منها، وبالَغَ فِي جهة السُّفْلِ لرَدَاءة الآفة منها.
الأفضل في قراءة الأذكار، في الصباح: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس في أول النَّهار، ومن بعد العصر إلى ما قبل الغروب، فإن قالها بعد ذلك يعني: قالها في الصباح بعد ارتفاع الضُّحى أجزأه، وإن قالها بعد الظُّهر أجزأه، وإن قالها بعد المغرب أجزأه، فذلك وقتٌ للذكر.
ما دَلَّ الدليل على كون الذِّكْر له وقت مُعَيّن في الليل كقراءة آخر آيتين من سورة البقرة فإنها تكون ليلًا بعد غروب الشمس.
المراجع
سنن أبي داود (7/ 408) (5074).
سنن النسائي (8/ 282) (5529).
سنن ابن ماجه (5/ 37) (3871).
مسند أحمد (8/ 403) (4785).
توضيح الأحكام من بلوغ المرام، لعبد الله البسام (7/ 565).
منحة العلام في شرح بلوغ المرام، لعبد الله الفوزان (10/ 441).
فتح ذي الجلال والإكرام، لابن عثيمين (6/ 491).
سبل السلام بشرح بلوغ المرام، لمحمد الصنعاني (2/ 711).
علَّم النبيُّ صلى الله عليه وسلم عائشةَ رضي الله عنها جوامِعَ الدعاء وهو أربع دعوات:
الأول: دعاء عام لكل خير: (اللهم إني أسألك من الخير كله) وجميعه، (عاجله) القريب في وقته، (وآجله) البعيد، (ما عَلِمتُ منه) مما علّمتني، (وما لم أعلم)، مما يكون في علمك سبحانك،
وفيه تفويض الأمر إلى الله العليم الخبير اللطيف؛ فيختار سبحانه للمسلم أفضله وأحسنه، (وأعوذ) وأعتصم وأَحْتَمي (بك من الشر كله عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم).
الدعاء الثاني: وهو حِفْظٌ للمسلم مِن أنْ يَعْتَدي في الدعاء (اللهم إني أسألك) وأطلبك (من خير ما سألك عبدك ونبيك) صلى الله عليه وسلم، (وأعوذ) وألتجئ وأعتصم (بك من شر ما عاذ به عبدك ونبيك) صلى الله عليه وسلم، وهذا دعاء وطَلَبٌ من الله أنْ يُعطيَ الداعي مما سأله وطلبه النبيُّ محمد صلى الله عليه وسلم لنفسه، دون تعديد لأنواع ما دعا به صلى الله عليه وسلم.
الدعاء الثالث: طلب دخول الجنة والابتعاد عن النار، وهو مَطْلبُ كلِّ مسلم وغايةُ عَمَلِه: (اللهم إني أسألك الجنة) والفوز بها (وما قرّب إليها من قول أو عمل) صالح يرضيك، (وأعوذ بك من النار) حيث لا عصمة من قبائح الأعمال إلا بلطفك، (وما قرّب إليها من قول أو عمل) من المعاصي التي تغضبك.
الدعاء الرابع: الدعاء بالرضا بقضاء الله (وأسألك أن تجعل كل قضاء قضيتَه لي خيرًا) وكلّ أمر قضاه الله لي أن يجعله خيرًا لي، وهذا من الدعاء بالرضا بقضاء الله.
من فوائد الحديث
تعليم الرجل أهلَه ما ينفعهم من أمور الدين والدنيا، كما علم النبي صلى الله عليه وسلم عائشة.
الأفضل للمسلم أن يحفظ الأدعية الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنها من جوامع الدعاء.
قال العلماء عن هذا الحديث: هو أجمع حديث في سؤال الخير والاستعاذة من الشر، فهو من جوامع الكَلِمِ التي أوتيها النبي صلى الله عليه وسلم.
من أسباب دخول الجنة بعد رحمه الله: الأعمال والأقوال الصالحة.
المراجع
سنن ابن ماجه (5/ 17) (3846).
مسند أحمد (41/ 474) (25019).
توضيح الأحكام من بلوغ المرام، لعبد الله البسام (7/ 589).
منحة العلام في شرح بلوغ المرام، لعبد الله الفوزان (10/ 477).
وقد أتى صلى الله عليه وسلم بلفظ الجَمْع؛ لِتشمَلَ جميعَ أسبابِ سَخَطِهِ سبحانه وتعالى من الأقوال والأعمال والاعتقادات.
من فوائد الحديث
افتقار النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى.
تضمّنت هذه الاستعاذة المباركة: التوفيق لشكر النِّعم، والحفظ من الوقوع في المعاصي؛ لأنها تزيل النعم.
الحرص عن الابتعاد عن مواضع سَخَطِ الله تعالى.
استعاذ صلى الله عليه وسلم من فجأة نقمة الله تعالى؛ لأنه إذا انتقم من العبد فقد أَحَلَّ به من البلاء ما لا يَقدِر على دفعه، ولا يُستدفع بسائر المخلوقين، وإن اجتمعوا جميعًا.
استعاذ صلى الله عليه وسلم من تحول عافيته سبحانه؛ لأنه إذا كان قد اختصَّه الله بعافيته، فقد ظفر بخير الدارين، فإن تحولت عنه فقد أصيب بشر الدارين، فإن العافية بها صلاح الدِّين والدنيا.
المراجع
صحيح مسلم (4/ 2097) (2739).
توضيح الأحكام من بلوغ المرام، لعبد الله البسام (7/ 568).
منحة العلام في شرح بلوغ المرام، لعبد الله الفوزان (10/ 447).
فتح ذي الجلال والإكرام، لابن عثيمين (6/ 495).
سبل السلام بشرح بلوغ المرام، لمحمد الصنعاني (2/ 711 ).
كانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ الدعاءَ بِجَوامِعِ الدعاء، ومنها:
"اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار"،
فهو يشتمل على حسنة الدنيا من رزق هنيءٍ واسع حلال، وزوجة صالحة، وولدٍ تقَرُّ به العين، وراحة، وعلمٍ نافع، وعمل صالح، ونحو ذلك من المطالب المحبوبة والمباحة، وحسنة الآخرة من السلامة من العقوبات في القبر والموقف والنار، وحصول رضا الله، والفوز بالنعيم المُقيم، والقرب من الرب الرحيم.
من فوائد الحديث
استحباب الدعاء بالأدعية الجامعة، تأسيًا بالنبي صلى الله عليه وسلم.
الأكمل أنْ يَجمعَ الإنسانُ في دعائه بين خير الدنيا والآخرة.
المراجع
صحيح البخاري (8/ 83) (6389).
صحيح مسلم (4/ 2070) (2690).
توضيح الأحكام من بلوغ المرام، للبسام (7/ 578).
منحة العلام في شرح بلوغ المرام، لعبد الله الفوزان (10/ 463).
أَمَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنْ يَدعوَ اللهَ ويسألَه فيقول: (اللهم اهدني) وأرشدني ودلني (وسددني) ووفقني، واجعلني مستقيمًا في جميع أموري.
فالهُدَى: هو مَعرفةُ الحقِّ تفصيلًا وإجمالًا، والتوفيق لاتّباعه ظاهرًا وباطنًا.
والسّداد: هو التوفيق والاستقامة في جميع الأمور بما يكون صوابًا على الحق، وهو الطريق المستقيم في القول والفعل والاعتقاد.
ولأن الأمر المعنوي يَتَّضِح بالمَحْسُوس؛ تَذَكَّر وأنت تدعو هذا الدعاء بأنَّ: (الهدى: هدايتك الطريق) فأحضِر بقلبِك وأنت تسأل هدايةً كهداية مَن سافر، فإنه لا يَنحرِف عن الطريق يَمْنة أو يسرة؛ وذلك لِيَسْلَمَ مِن الضياع، وبذلك يَنال السلامة، ويَصِل إلى غايته سريعًا.
(والسداد: سداد السهم) فأنت تلاحظ عند تَسْديدِك السَّهْمَ في سرعة وصوله وإصابته للهدف، فالرامي إذا رمى غرضًا سدَّد بالسهم نحو الغَرَض، فكذلك تسأل الله تعالى أنَّ ما تَنويه من السداد على شاكلة السهم؛ فتكون في سؤالك طالبًا غاية الهدى، ونهاية السداد.
فأحضر هذا المعنى بقلبك حتى تسأل الله السداد ليكون ما تنويه من ذلك على مشاكلة ما تستعمله من الرمي.
من فوائد الحديث
الداعي ينبغي أن يَحرِص على تسديد عملِه وتقويمه بلزوم السنة وإخلاص النية.
استحباب الدعاء بهذه الكلمات الجامعة للتوفيق والسداد.
ينبغي على العبد الاستعانة بالله تعالى في جميع أموره.
ضرْب المثال في مقام التعليم.
الجمع بين طلب الهداية وصلاح الحال، والاستمرار عليها وعدم الزيغ عنها طرفة عين وصلاح المآل، فقوله: "اهدني" بأن يكون سائرًا على دَرْبِ الهداية، وقوله: "وسددني": من الإصابة وعدم الزيغ عند الهداية التي اعتلاها.
الداعي ينبغي له أن يهتمَّ بدعائه، ويستحضر معاني دعواته في قلبه؛ فهذا أَدْعَى للقبول.
المراجع
صحيح مسلم (4/ 2090) (2725).
بهجة الناظرين شرح رياض الصالحين، لسليم الهلالي (2/ 546).
نزهة المتقين شرح رياض الصالحين، لمجموعة من الباحثين (2/ 1006).
كنوز رياض الصالحين، لمجموعة من الباحثين (17/ 383).
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «اللهم إني أعوذ بك من البَرَصِ، والجُنُونِ، والجُذَامِ، وَسَيِّئِ الأسْقَامِ».
صحيح · رواه أبو داود والنسائي وأحمد
الشرح
في الحديث كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ من أمراض معينة، وهذا يدل على خطرها، وعظيم أثرها، ثم سأل السلامة والعافية من قبيح الأمراض عموما، فقد تضمن هذا الدعاء: التخصيص والإجمال، فقال:" اللهم إني أعوذ بك من البرص"، وهو بياض يظهر في الجسم، يُوَلِّدُ نُفرة الخلق عن الإنسان، فيورث الإنسان العزلة التي قد تودي به إلى التسخط والعياذ بالله.
"والجنون": وهو ذهاب العقل، فالعقل هو مناط التكليف وبه يعبد الإنسان ربه، وبه يتدبر ويتفكر في خلائق الله تعالى ، وفي كلامه العظيم، فذهاب العقل ذهاب بالإنسان.
و"الجذام": وهو مرض تتآكل منه الأعضاء حتى تتساقط -والعياذ بالله– .
"وسيء الأسقام": أي قبيح الأمراض: وهي العاهات التي يصير المرء بها مُهاناً بين الناس، تنفرُ عنه الطباع، كالشلل والعمى والسرطان، ونحو ذلك؛ لأنها أمراض شديدة تحتاج إلى كلفة مالية، وصبر قوي لا يتحمله إلا من صبره الله تعالى وربط على قلبه.
وهنا تظهر عظمة هذا الدين الذي يحافظ ويرعى بدن المسلم ودينه.
من فوائد الحديث
الاستعاذة من الأمراض القبيحة المهلكة، التي قد تذهب بصبر الإنسان، فلا تبقي له شيئا من الأجر.
استعاذة الرسول -صلى الله عليه وسلم- من سيء الأسقام خشية ضعف الطاقة عن الصبر والوقوع في الضجر فيفوت الأجر.
هذه الأمراض المنصوص عليها في الحديث مفسدة للخِلْقَةِ والخُلُقِ، وتؤدي إلى نفور الخلق من صاحبها.
لم يستعذ النبي -صلى الله عليه وسلم- من جميع الأمراض؛ لأن الأمراض مطهرة للآثام مع الصبر عليها، ولا يخلو منها العباد، بل أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل.
قد يستدل بالحديث على مشروعية الحجر الصحي؛ لما أودعه الله في الجذام من سرعة العدوى، إضافة إلى سرعة فتكه بالمصابين به، زيادة على كونه محل نُفُور الطباع السليمة.
تعوُّذ النبي -صلى الله عليه وسلم- من سيئ الأمراض، يدخل فيه ما يعرف بالأمراض المستعصية الآن كالسرطان، فتكون مثل هذه الأحاديث محل الحرص؛ لأثرها في الصحة الوقائية.
معاني الكلمات
البرص
بياض يظهر في ظاهر الجسد لعلة.
الجذام
علة تتآكل منها الاعضاء وتسقط.
الأسقام
جمع سُقم: الأمراض.
الجنون
زوال العقل.
سيء الأسقام
قبيح الأمراض كالفالج والعمى.
المراجع
بهجة الناظرين شرح رياض الصالحين، لسليم الهلالي، ط1، دار ابن الجوزي، الدمام، 1415ه.
دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، لمحمد علي بن محمد بن علان، ط4، اعتنى بها: خليل مأمون شيحا، دار المعرفة، بيروت، 1425ه.
رياض الصالحين للنووي، ط1، تحقيق: ماهر ياسين الفحل، دار ابن كثير، دمشق، بيروت، 1428هـ.
رياض الصالحين، ط4، تحقيق: عصام هادي، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية القطرية، دار الريان، بيروت، 1428هـ.
سنن أبي داود، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت.
شرح رياض الصالحين، للشيخ ابن عثيمين، دار الوطن للنشر، الرياض، 1426هـ.
صحيح أبي داود، للألباني، ط1، مؤسسة غراس للنشر والتوزيع، الكويت، 1423هـ.
صحيح الجامع الصغير وزيادته للألباني، ط3، المكتب الإسلامي، بيروت، 1408ه.
كنوز رياض الصالحين، مجموعة من الباحثين برئاسة حمد بن ناصر العمار، ط1، كنوز إشبيليا، الرياض، 1430هـ.
مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد، وآخرون، إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، ط1، مؤسسة الرسالة 1421هـ.
مشكاة المصابيح للتبريزي، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، ط3، المكتب الإسلامي، بيروت، 1985ه.
نزهة المتقين شرح رياض الصالحين، لمجموعة من الباحثين، ط14، مؤسسة الرسالة، 1407هـ.
السنن الكبرى للنسائي، حققه وخرج أحاديثه: حسن عبد المنعم شلبي، أشرف عليه: شعيب الأرناءوط، مؤسسة الرسالة – بيروت، الطبعة الأولى، 1421هـ - 2001م.
عن شكل بن حميد رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، عَلِّمْنِي دعاء، قال: (قل: اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي، ومن شر بصري، ومن شر لساني، ومن شر قلبي، ومن شر مَنِيِّي).
صحيح · رواه أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد
الشرح
في هذا الحديث يذهب شكل بن حميد رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم باحثًا عن خيري الدنيا والآخرة، إنه لم يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم دنيا فانية، ولا حفنة من مال، ولا صاعا من طعام، ولكنه ذهب يطلب الدعاء، يريد من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمه دعاء ينتفع به في دينه ودنياه، فهذه هي حقيقة الصحابة يبتغون فضلا من الله ورضوانا، فأرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا الدعاء العظيم الجليل، فقال له: "قل: اللهم إني": دعا الله تعالى وتوجه إليه باسمه الجامع لكل أسماء الله الحسنى "الله"، "أعوذ بك من شر سمعي": أعوذ أي: أحتمي بالله تعالى من شر السمع، وهو ما يقع فيه سمع الإنسان من المحرمات: كشهادة الزور، وكلام بالكفر والبهتان، والانتقاص من الدين وسائر ما يصل إلى سمع الإنسان من المحرمات، "ومن شر بصري": وهو أن يستعمله في النظر إلى المحرمات من الأفلام الخليعة ، والمناظر القبيحة، "ومن شر لساني": أي ومن كل محرم قد يخرج من اللسان كشهادة الزور، والسب، واللعن، والانتقاص من الدين وأهله، أو التكلم فيما لا يعني الإنسان، أو ترك الكلام فيما يعنيه، "ومن شر قلبي": وهو أن يعمر القلب بغير ذكر الله تعالى ، أو أن يتوجه إلى غير الله تعالى بالعبادات القلبية من الرجاء والخوف، والرهبة، والتعظيم، أو يترك ما يجب عليه من صرف العبادات القلبية للرب سبحانه وتعالى ، "ومن شر منيي": أي ومن شر الفرج وهو أن يقع فيما حرم الله عليه ، أو يوقعني في مقدمات الزنى من النظر، واللمس، والمشي، والعزم، وأمثال ذلك، فهذا الدعاء المبارك فيه حفظ الجوارح والتي هي من نعم الله تعالى ، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما أمره هنا أن يستعيذ بالله من شر هذه النعم ، ولم يأمره أن يستعيذ من هذه النعم كأن يقول: "أعوذ بالله من سمعي"، لأن هذه نعم ، وبها يعبد الله تعالى ، فليست هي شر محض حتى يستعاذ منها ولكن يستعاذ من الشر الذي قد يتولد عنها، وحفظها يكون برعاية ما خلقت له، و أن لا يباشر بها معصية، ولا ينشر بها رذيلة، لأنه مسؤول يوم القيامة عن هذه النعم مصداقا لقوله تعالى : {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36].
من فوائد الحديث
الحث على حفظ السمع والبصر واللسان والقلب والفرج ، وذلك باستعمالها فيما يرضي الله -تعالى-.
التنويه بمسؤولية الإنسان عن حواسه كما أخبر -سبحانه وتعالى-: "إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا".
حواس الإنسان وأعضاؤه نعم ينبغي على العبد شكر الله -تعالى- عليها بوضعها فيما خلقت له ، وبذلك يحقق العبودية لله -سبحانه وتعالى-.
قول شكل بن حميد -رضي الله عنه-: "قلت: يا رسول الله، علمني دعاء" يدل على حرص الصحابة على كل ما ينفعهم في الدنيا والآخرة ، ويبين أنهم أصحاب همة عالية لمحافظتهم على ما ينفعهم في العاجل والآجل.
خص النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه الجوارح بالدعاء؛ لانها مناط الشهوة ومثار اللذة.
معاني الكلمات
اللَّهُمَّ
يا الله.
أعوذ
ألتجئ وأحتمي.
شر سمعي
أي: بأن أسمع كلام الزور والبهتان والغيبة وسائر ما حرم الله -تعالى- سمعه، أو أن لا اسمع الحق.
شر بصري
وذلك بالنظر إلى عورات الناس أو إلى ما حرم الله -تعالى-.
شر قلبي
بأن أشغله بغير ذكر الله -تعالى-.
شر لساني
هو التكلم بالباطل أو ما لا يعنيني ، أو السكوت عن الحق
شر منيَّي
المني: ما يخرج من الرجل من ماء بشهوة ولذة ، والمراد هنا الفرج كما ورد عند الترمذي ، ويكون شره إذا وضعه في غير محله المشروع.
المراجع
بهجة الناظرين شرح رياض الصالحين لسليم الهلالي، ط1، دار ابن الجوزي، الدمام، 1415ه.
الترمذي، تحقيق وتعليق:أحمد محمد شاكر ، وآخرون، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، ط2، مصر، 1395 ه.
دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين لمحمد علي بن محمد بن علان، دار الكتاب العربي ، بيروت لبنان.
رياض الصالحين للنووي، ط1، تحقيق: ماهر ياسين الفحل، دار ابن كثير، دمشق، بيروت، 1428 هـ.
رياض الصالحين، ط4، تحقيق: عصام هادي، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية القطرية، دار الريان، بيروت، 1428هـ.
سنن أبي داود، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت.
صحيح الأدب المفرد للإمام البخاري، حقق أحاديثه وعلق عليه: محمد ناصر الدين الألباني، ط4، دار الصديق للنشر والتوزيع، 1418 هـ.
صحيح أبي داود للألباني ، ط1، مؤسسة غراس للنشر والتوزيع، الكويت، 1423هـ.
صحيح وضعيف الترمذي للألباني، ط1، مكتبة المعارف، الرياض، 1420ه.
كنوز رياض الصالحين، مجموعة من الباحثين برئاسة حمد بن ناصر العمار، ط1، كنوز إشبيليا، الرياض، 1430هـ.
السنن للنسائي، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، ط2، مكتب المطبوعات الإسلامية – حلب، 1406ه.
مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد، وآخرون، إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، ط1، مؤسسة الرسالة، 1421 هـ.
المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ط2، دار إحياء التراث العربي، بيروت لبنان.
نزهة المتقين شرح رياض الصالحين لمجموعة من الباحثين، ط14، مؤسسة الرسالة، 1407هـ.
عن عائشة رضي الله عنها ، قالت: دخلت عليَّ عجوزان من عُجُز يهود المدينة، فَقَالَتا لي: إنَّ أهلَ القبور يُعذَّبون في قبورهم، فكذَّبتُهما، ولم أُنْعِم أنْ أُصَدِّقهما، فَخَرَجَتَا، ودخل عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم ، فقلت له: يا رسول الله، إنَّ عجوزين، وذكرتُ له، فقال: «صَدَقَتَا، إنَّهم يُعذَّبون عذابًا تَسْمَعُه البهائم كلُّها» فما رأيتُه بعْدُ في صلاة إلا تعوَّذ من عذاب القبر.
صحيح · متفق عليه
الشرح
دخل على عائشة امرأتان عجوزان من يهود المدينة، فقالتا لها: إن الأموات يعذَّبون في قبورهم، فكذبتهما ولم ترضَ أن تصدقهما؛ لأنها لم تطب نفسها بذلك؛ لظهور كذب اليهود، وافترائهم في الدين، وتحريفهم الكتاب، فخرجتا من عند عائشة، ودخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما قالته المرأتان اليهوديتان، فقال صلى الله عليه وسلم : صدقتا إن الأموات يعذبون عذابًا تسمعه البهائم كلها، فتخبر عائشة أنها لم تر النبي -عليه الصلاة والسلام- صلى صلاة بعد ذلك إلا تعوذ من عذاب القبر.
من فوائد الحديث
أن عذاب القبر ليس خاصًّا باليهود، بل يعم غيرها من الأمم.
إثبات عذاب القبر.
عذاب القبر تسمعه الحيوانات كلها إلا الإنس والجن.
مشروعية التعوذ من عذاب القبر.
فى دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- آخر الصلاة ما يدل على عظيم موقع الدعاء وفضله، وأن من مواطنه المرغب فيها الصلوات.
ما كان عليه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من شدّة الخوف من اللَّه -تعالى-، فكان يستعيذ به من عذاب القبر، وعذاب النار، مع أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر.
معاني الكلمات
أُنْعِم
أُحسن.
المراجع
صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي، تحقيق: محمد زهير الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي)، الطبعة: الأولى 1422هـ.
صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة: 1423هـ.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، أحمد بن محمد القسطلاني القتيبي، الناشر: المطبعة الكبرى الأميرية، مصر، الطبعة: السابعة 1323 هـ.
إكمال المعلم بفوائد مسلم، عياض بن موسى اليحصبي السبتي، المحقق: الدكتور يحيى إسماعيل، الناشر: دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، مصر، الطبعة: الأولى، 1419 هـ، 1998م.
شرح سنن النسائي المسمى «ذخيرة العقبى في شرح المجتبى»، محمد بن علي الإثيوبي الوَلَّوِي، الناشر: دار المعراج الدولية للنشر، دار آل بروم للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى.
كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إذا أسلم الرجل علمه عليه الصلاة والسلام صفة الصلاة، ثم أمره أن يدعو بهؤلاء الكلمات في أي وقتٍ شاء، فيدعو بها في صلاته، وفي أوقات الإجابة وغير ذلك: (اللهم اغفر لي) ذنوبي، (وارحمني، واهدني) إلى صراطك المستقيم وثبتني على الهدى، وزدني منه، (وعافني) من الابتلاء بما يضر، (وارزقني) كل ما أحتاج إليه من الخيرات من أولاد وأموال ونحوها.
وفي رواية: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ماذا أقول عندما أسأل ربي؟ قال: (قل: اللهم اغفر لي، وارحمني، وعافني، وارزقني) وكان يقبض أصابعه إلا الإبهام عند قول هذه الكلمات، تمكينًا لها في النفس، وضبطًا لها في الحفظ، فإن هذه الدعوات تجمع لك خيرات الدارين، وتكفيك شرورهما.
من فوائد الحديث
بيان أهمية قول هذه الكلمات وأهمية تعليمها، فهي جامعة لخيري الدنيا والآخرة، وكان يبدأ بها من دخل في الإسلام، مما يدل على أهميتها وفضلها.
معاني الكلمات
يجمع أصابعه
يقبضها عند عَدِّ هذه الأدعية الأربعة.
المراجع
صحيح مسلم (4/ 2073) (2697)، البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (42/ 163) (42/ 165)، المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (7/ 23).
عن أنس رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «ألِظُّوا بـ (يَاذا الجَلاَلِ والإكْرامِ)».
صحيح · ملاحظة: رواية النسائي وأحمد عن ربيعة بن عامر
الشرح
في الحديث أمر(ألظوا)، بمعنى: الزموا هذه الدعوة وأكثروا منها، فالمراد: داوموا على قولكم ذلك في دعائكم واجعلوه على لسانكم
وقد اشتمل على اسم من أسماء الله قيل إنه الاسم الأعظم، لكونه يشمل جميع صفات الربوبية والألوهية.
من فوائد الحديث
الحث على الإكثار من الدعاء بهذه الكلمات الواردة؛ لما فيها من الثناء التام لله -تعالى- ووصفه بصفات الكمال.
من آداب الدعاء الثناء على الله.
معاني الكلمات
ألظوا
بكسر اللام وتشديد الظاء المعجمة، معناه: الزموا هذه الدعوة وأكثروا منها.
الجلال
استحقاق الله وصف العظمة عزاً وتكبراً؛ فجلاله -تعالى- صفة استحقها لذاته.
الإكرام
أخص من الإنعام، إذ الإنعام قد يكون على غير المكرم كالعاصي، والإكرام لمن يحبه ويعزه.
المراجع
- رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين، للإمام أبي زكريا النووي، تحقيق د. ماهر الفحل، دار ابن كثير، دمشق، الطبعة الأولى، 1428ه.
- نزهة المتقين شرح رياض الصالحين، تأليف د. مصطفى الخِن وغيره، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الرابعة عشر، 1407هـ.
- كنوز رياض الصالحين، لحمد بن ناصر العمار، دار كنوز إشبيليا - الطبعة الأولى، 1430ه.
سنن الترمذي - محمد بن عيسى الترمذي، تحقيق وتعليق: أحمد محمد شاكر ومحمد فؤاد عبد الباقي وإبراهيم عطوة عوض - شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي - مصر، الطبعة: الثانية، 1395هـ - 1975م.
(اللهم إني أعوذ) وألجأ وأستجير (بك) دون سواك، (من منكرات) التي نهى الله ورسوله عنها، (الأخلاق) كالحقد والحسد والكبر، (و) من منكرات (الأعمال) كالسب والشتم، (و) من جميع (الأهواء)، التي تشتهيها النفس وهي تخالف الشرع.
من فوائد الحديث
فضل هذا الدعاء واستحبابه.
المؤمن يحرص على اجتناب الأخلاق الذميمة والأعمال المنكرة، ويحذَر من اتباع الهوى والوقوع في الشهوات.
انقسام الأخلاق والأعمال والأهواء إلى منكر ومعروف.
المراجع
سنن الترمذي (5/ 544) (3591).
فتح ذي الجلال والاكرام بشرح بلوغ المرام، لابن عثيمين (6/ 389).
منحة العلام في شرح بلوغ المرام، لعبد الله الفوزان (10/ 248).
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«اللهم كما حَسَّنْت خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي».
صحيح · رواه أحمد
الشرح
على الإنسان أن يسأل الله عز وجل كما أحسن صورته الظاهرة وجملها وكملها أن يحسن صورته الباطنة فيهبه أخلاقًا كريمة تكمُل بها إنسانيته ويطهر بها باطنه.
من فوائد الحديث
أن الإنسان له صورتان صورة ظاهرة وهي الخَلْق، وصورة باطنة وهي الخُلُق.
أن الإنسان عليه أن يسأل الله أن يحسن صورته الباطنة، وأهم الصور الباطنة هو الإيمان؛ لأن الأخلاق الفاضلة كلها تتبعه.
من فوائد الحديث جواز التوسل بأفعال الله جل وعلا.
الإنسان إذا حَسُن خلقه استراح واطمأن، وصار دائما في رضًا لا يغضب؛ لأجل هذا عليه أن يسأل الله أن يحسن خلقه.
الثناء على الله تعالى، والاعتراف له بالنعمة بتحسين الخِلْقة.
النصوص الشرعية تفرق بين الظاهر والباطن، وتحث على الاهتمام بالباطن لكي يحصل الكمال السري والعلني، والجمال الظاهري والباطني.
هذا الدعاء من النبي -صلى الله عليه وسلم- من باب تعليم الأمة وإلا فهو أشرف العباد خلقا وأخلاقا.
معاني الكلمات
خلْقي
بفتح الخاء، هي صورة الإنسان الظاهرة.
خُلُقي
بضم الخاء واللام، هي الصورة الباطنة في النفس التي تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وتأني.
المراجع
- مسند الإمام أحمد بن حنبل، المحقق: شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد، وآخرون إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى، 1421 هـ - 2001 م.
- إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، محمد ناصر الدين الألباني، إشراف: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة: الثانية 1405 هـ - 1985م.
- منحة العلام في شرح بلوغ المرام، تأليف عبد الله الفوزان، طبعة دار ابن الجوزي -الطبعة الأولى 1428هـ.
- توضيح الأحكام شرح بلوغ المرام، تأليف عبد الله البسام، مكتبة الأسدي، مكة المكرمة، الطبعة: الخامِسَة، 1423 هـ - 2003 م.
- تسهيل الإلمام بفقه الأحاديث من بلوغ المرام، تأليف الشيخ صالح الفوزان -عناية عبد السلام السليمان- مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى.
- فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام، للشيخ ابن عثيمين، المكتبة الإسلامية القاهرة، تحقيق صبحي رمضان وأم إسراء بيومي- الطبعة الأولى 1427هـ.
كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم «اللهم إني أعوذ بك» والتجاء إليك، «من العجز» بعدم القدرة على الحيلة النافعة، «والكسل» بعدم وجود إرادة الفعل، فالعاجز لا يستطيع الحيلة، والكسلان لا يريدها، «والجبن» بالامتناع عن الإقدام على ما ينبغي فعله، «والبخل» بمنع ما يجب بذله، «والهرم» وكبر السن الذي يؤدي إلى ضعف البدن، «وعذاب القبر» والأسباب التي تؤدي إلى ذلك.
«اللهم آت نفسي» وأعطها ووفقها لـ «تقواها» بفعل الطاعة وترك المعصية، «وزكها» وطهرها من الرذائل والأخلاق الدنيئة، «أنت خير من زكاها» ولا مزكي لها أحد سواك، «أنت وليها» وناصرها والقائم بها، «ومولاها» متولي أمورها، وربها ومالكها والمنعم عليها.
«اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع»، كعلم النجوم والكهانة والسحر، أو ما لا ينفع في الآخرة، أو علم لا يعمل به، «ومن قلب لا يخشع» لك، ولا يخضع، ولا يسكن، ولا يطمئن بذكرك، «ومن نفس لا تشبع» ولا تقنع بما أعطاها الله ورزقها من الحلال الطيب، «ومن دعوة» مردودة «لا يستجاب لها».
من فوائد الحديث
استحباب الاستعاذة من هذه الأمور المذكورة في الحديث.
الحث على التقوى ونشر العلم والعمل به.
العلم النافع هو الذي يزكي النفس ويولد فيها خشية الرب تبارك وتعالى، فتسري منها إلى سائر الجوارح.
القلب الخاشع هو الذي يخاف ويضطرب عند ذكر الله ثم يلين ويطمئن.
ذم الحرص على الدنيا وعدم الشبع من شهواتها وملاذها، ولذلك فالنفس المنهومة الحريصة على متاع الدنيا أعدى أعداء المرء، ولذلك استعاذ منها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ينبغي على العبد أن يفارق أسباب رد الدعاء وعدم إجابته.
قال النووي: هذا الحديث وغيره من الأدعية المسجوعة دليل لما قاله العلماء؛ أن السجع المذموم في الدعاء هو المتكلف، فإنه يذهب الخشوع والخضوع والإخلاص، ويلهي عن الضراعة والافتقار وفراغ القلب، فأما ما حصل بلا تكلف ولا إعمال فكر لكمال الفصاحة ونحو ذلك، أو كان محفوظًا فلا بأس به، بل هو حسن.
المراجع
صحيح مسلم (4/ 2088) (2722).
بهجة الناظرين شرح رياض الصالحين، لسليم الهلالي (2/ 550).
كنوز رياض الصالحين، لمجموعة من الباحثين (17/ 420).
نزهة المتقين شرح رياض الصالحين، لمجموعة من الباحثين (2/ 1009).
عن أبي هريرة-رضي الله عنه مرفوعاً: «اللهم إني أعوذ بك من الجوع، فإنه بِئْسَ الضَّجِيعُ،وأعوذُ بِكَ منَ الخِيَانَةِ، فَإنَّهَا بِئْسَتِ البِطَانَةُ».
حسن · رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه
الشرح
استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من الجوع؛ فإنه بئس المصاحب لأنه يمنع استراحة النفس والقلب، واستعاذ من خيانة أمانة الخلق والخالق؛ فإنها بئست خاصة المرء.
من فوائد الحديث
التحذيرمن الجوع الشديد، ومن الخيانة والاستعاذة بالله منهما.
الجوع يمنع استراحة النفس والقلب؛ لأنه يضعف القوى، ويثير الأفكار الرديئة والخيالات الفاسدة، قيقصر العبد بالطاعة؛ ولذلك حرم الإسلام الوصال.
الحض على الثبات والاستقامة على مكارم الأخلاق في كل حال.
من وجدت فيه خصلة من الخصال الذميمة؛ فليسارع إلى معالجتها وإزالتها تزكية لنفسه وطاعة لربه، ومن فقدت فيه فليحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات، ويسأله دوام ذلك .
الحض على أداء الأمانة.
الخيانة ضد الأمانة، وهي مخالفة الحق بنقض العهد في السر، والأظهر أنها شاملة لجميع التكاليف الشرعية.
قد يستدل بهذا الحديث على أن الجوع المجرد لا ثواب فيه.
معاني الكلمات
الضجيع
المضاجع وهو ما يلازم صاحبه في المضجع ، والمراد به الملازم.
البطانة
تطلق في الأصل على بطانة الثوب ثم استعير لمن يخصه الإنسان بالاطلاع على باطن أمره.
الخيانة
عدم أداء أمانة الخالق أو المخلوق.
المراجع
- سنن أبي داود - سليمان بن الأشعث السِّجِسْتاني تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد: المكتبة العصرية.
- سنن ابن ماجه :ابن ماجه أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي- دار إحياء الكتب العربية - فيصل عيسى البابي الحلبي.
- السنن الصغرى للنسائي /أحمد بن شعيب ، النسائي -تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة-مكتب المطبوعات الإسلامية – حلب- الطبعة: الثانية، 1406ه – 1986م.
- صحيح أبي داود الأم،محمد ناصر الدين، الألباني- مؤسسة غراس للنشر والتوزيع، الكويت الطبعة: الأولى، 1423 هـ - 2002 م.
- كنوز رياض الصالحين»، لحمد بن ناصر العمار، دار كنوز إشبيليا- الطبعة الأولى1430ه
- مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح-المؤلف: أبو الحسن عبيد الله المباركفوري -إدارة البحوث العلمية والدعوة والإفتاء - الجامعة السلفية - بنارس الهند-الطبعة: الثالثة - 1404 هـ، 1984 م.
- شرح رياض الصالحين؛ للشيخ محمد بن صالح العثيمين، مدار الوطن، الرياض، 1426هـ.
- نزهة المتقين بشرح رياض الصالحين/تأليف مصطفى سعيد الخن-مصطفى البغا-محي الدين مستو-علي الشربجي-محمد أمين لطفي-مؤسسة الرسالة-بيروت –لبنان-الطبعة الرابعة عشرة1407-.
- بهجة الناظرين شرح رياض الصالحين –سليم بن عيد الهلالي دار ابن الجوزي –الطبعة الأولى 1418.
جاء إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه رجل مملوكًا قد كاتب سيده واتفق معه على أن يشتري نفسه ويعتقها ليصير حرًا، وليس له مالٌ، فقال:
إني قد عجزت عن سداد ما عليَّ فأعني على قضائه بالمال، أو بالتعليم والإرشاد، قال له أمير المؤمنين:
ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو كان عليك دينٌ مثل جبل اسمه صير لقبيلة طيئ لأداه الله عنك إلى مستحقه، وانقذك من مَذلّته، قال: قل:
(اللهم اكفني) واصرفني وأبعدني (بحلالك) مستغنيًا به (عن) الوقوع ب(حرامك)، (وأغنني) واكفني (بفضلك) وجودك (عمن سواك) من الخلق.
من فوائد الحديث
مشاورة وطلب رأي أهل العلم والدين.
على أهل العلم والدعاة إلى الله تعالى دلالة المدعوين وإرشادهم إلى ما يعينهم على ما يعرض لهم من مشكلات.
الحث على إعانة المُكاتَب.
الحث على تعلُّم هذا الدعاء، وسؤال الله به.
الرزق الحلال وإنْ قَلَّ خير من المال الحرام وإن كان كثيرًا.
الاستغناء بالله عن الخلق.
الحث على رد السائل ردًا حسنًا إذا لم يكن لك ما تعطيه.
المراجع
سنن الترمذي (5/ 526) (3563).
بهجة الناظرين شرح رياض الصالحين، لسليم الهلالي (2/ 565).
نزهة المتقين شرح رياض الصالحين، لمجموعة من الباحثين (2/ 1013).
كنوز رياض الصالحين، لمجموعة من الباحثين (17/ 456).
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم إني أعوذ بك من العَجْزِ، والكَسَلِ، وَالجُبْنِ، والهَرَمِ، والبخل، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات».
وفي رواية: «وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ».
صحيح · متفق عليه.
والرواية الثانية رواها البخاري دون مسلم
الشرح
هذا الحديث يعد من جوامع الكلم، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم يأتي بالمعاني الجامعة في كلمات يسيرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استعاذ فيه من جملة آفات وشرور تعوق حركة سير العبد إلى الله، فتعوذ النبي -صلى الله صلى الله عليه وسلم- من:
"العجز والكسل": وهما قرينان من معوقات الحركة؛ وعدم الفعل إما ان يكون بسبب ضعف الهمة وقلة الإراده فهو: الكسل، فالكسلان من أضعف الناس همة، وأقلهم رغبة، وقد يكون عدم الفعل لعدم قدرة العبد فهو: العجز.
و"الجبن والبخل": وهما من موانع الواجب والإحسان، فالجبن يضعف قلب الإنسان فلا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر لضعف قلبه وتعلقه بالناس دون رب الناس.
والبخل يدعو صاحبه للإمساك في موضع الإنفاق، فلا يعطى حق الخالق من زكوات، ولا حق المخلوق من النفقات، فهو مبغوض عند الناس وعند الله.
"والهرم": هو بلوغ الشخص أرذل العمر، فالإنسان إذا بلغ أرذل العمر فقد كثيرا من حواسه، وخارت قواه، فلا يستطيع عبادة الله تعالى ، ولا يجلب لأهله نفعا.
ثم استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من عذاب القبر، وعذاب القبر حق، ولذا شرع لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نستعيذ بالله من عذابه في كل صلاة.
ثم التعوذ من فتنة المحيا والممات ليشمل الدارين، ففتنة المحيا مصائبها وابتلاءاتها، "وفتنة الممات" بأن يخشى على نفسه سوء الخاتمة وشؤم العاقبة، وفتنة الملكين في القبر وغيرهما.
وفي رواية :" وضلع الدين وغلبة الرجال" فكلاهما من القهر، فضلع الدين شدته وثقله ولا معين له فيه، فهو قهر للرجل ولكن بحق، و"غلبة الرجال" أي: تسلطهم، وهو القهر بالباطل.
من فوائد الحديث
هذا الحديث من جوامع الكلم، لأن أنواع الرذائل ثلاثة: نفسية، وبدنية، وخارجية، والحديث مشتمل على الاستعاذة منها جميعا.
العجز والكسل قرينان: فإن تخلف مصلحة العبد وكماله ولذته وسروره إما أن يكون مصدره: أ-عدم القدرة، فهو عجز.ب-أو يكون قادرا عليه لكن تخلف لعدم إرادته، فهو الكسل، وصاحبه يلام عليه ما لا يلام على العجز.
الإحسان المتوقع من العبد: إما بماله، وإما ببدنه، فمانع الأول: بخيل، ومانع الثاني: جبان، ولذلك استعاذ النبي -صلى الله عليه وسلم- من الجبن والبخل.
إثبات عذاب القبر، ومشروعية التعوذ من فتنته.
القهر الذي ينال العبد نوعان: أ-قهر بحق: وهو ضلع الدين .ب-قهر بباطل: وهو غلبة الرجال.
اللجوء إلى الله -تعالى- طلبا للنجاة من هذه الشرور، والتحذير من الوقوع فيها.
في هذا الحديث يُعلِّم النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته كيفية الاستعاذة بالله -تعالى- القادر القدير المقتدر، والاستعاذة بالله -تعالى- تحقق عدة فوائد من أهمها: أ-أنها عبادة محبوبة لله -تعالى-. ب-يستشعر العبد في الاستعاذة الافتقار إلى الله -تعالى- القادر في كل أمر وإن دق.ج-أنها تحقق للعبد الأمن من كل ما يخشاه.د-أنها تحقق له الأمن النفسي من خلال الشعور بالطمأنينة، وهذا الحديث يؤكد هذا المعنى.
معاني الكلمات
الكسل
هو عدم انبعاث النفس بخير، وقلة الرغبة فيه مع إمكانه.
الجبن
الخوف وضعف القلب؛ ضد الشجاعة.
الهرم
الكِبَر والضعف، والمقصود به أن يطول عمر الإنسان وتضعف قواه حتى يصاب بالخرف بحيث لا يميز بين الأمور.
البخل
منع أداء ما يطلب أداؤه.
الفتنة
الامتحان والاختبار.
ضلع الدين
أصل الضلع: الاعوجاج، والمراد هنا: ثقل الدين وشدته بحيث لا يجد من عليه الدين وفاء ولاسيما مع المطالبة.
غلبة الرجال
شدة تسلطهم.
المراجع
- رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين، للإمام أبي زكريا النووي، تحقيق د. ماهر الفحل، دار ابن كثير - دمشق، الطبعة الأولى، 1428هـ.
- بهجة الناظرين شرح رياض الصالحين، تأليف سليم الهلالي، دار ابن الجوزي - الطبعة الأولى، 1418هـ.
- نزهة المتقين شرح رياض الصالحين، تأليف د. مصطفى الخِن وغيره، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الرابعة عشر، 1407هـ.
- صحيح البخاري، للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، عناية محمد زهير الناصر، دار طوق النجاة، الطبعة الأولى، 1422هـ.
- صحيح مسلم، للإمام مسلم بن الحجاج، حققه ورقمه محمد فؤاد عبد الباقي، دار عالم الكتب - الرياض، الطبعة الأولى، 1417هـ.
- كنوز رياض الصالحين، لحمد بن ناصر العمار، دار كنوز إشبيليا - الطبعة الأولى، 1430هـ.
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استَوَى على بَعِيره خارجًا إلى سَفَر، كَبَّرَ ثلاثا، ثم قال: «سبحان الذي سخَّر لنا هذا وما كُنَّا له مُقْرِنِينَ وإنَّا إلى ربِّنا لـمُنْقَلِبُون، اللهم إنَّا نَسْأَلُك في سفرنا هذا البِرَّ والتَّقْوَى، ومن العمل ما تَرْضَى، اللهم هَوِّنْ علينا سفرنا هذا واطْوِ عنا بُعْدَه، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك مِن وَعْثَاء السفر، وكآبة الـمَنْظر، وسوء الـمُنْقَلَب في المال والأهل والولد». وإذا رجع قالهن. وزاد فيهن «آيبون تائبون عابدون لِربنا حامدون».
وفي رواية: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قَفَل من الحج أو العمرة، كلما أَوْفَى على ثَنِيَّة أو فَدْفَدٍ كَبَّرَ ثلاثا، ثم قال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيِبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدَق الله وَعْدَه، ونصَر عَبْدَه، وهزَم الأحزابَ وحده». وفي لفظ: إذا قَفَل من الجيوش أو السَّرايا أو الحج أو العمرة.
صحيح · الرواية الأولى رواها مسلم، والرواية الثانية متفق عليها، والرواية الثالثة رواها مسلم
الشرح
يبين ابن عمر رضي الله عنهما في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يسافر، وركب بعيره قال: الله أكبر ثلاث مرات، ثم قال هذا الدعاء العظيم، الذي يتضمن الكثير من المعاني الجليلة، ففيه تنزيه الله عز وجل عن الحاجة والنقص، واستشعار نعمة الله تعالى على العبد، وفيه البراءة من الحول والقوة، والإقرار بالرجوع إلى الله تعالى ، ثم سؤاله سبحانه الخير والفضل والتقوى والتوفيق للعمل الذي يحبه ويتقبله، كما أن فيه التوكل على الله تعالى وتفويض الأمور إليه، كما اشتمل على طلب الحفظ في النفس والأهل، وتهوين مشقة السفر، والاستعاذة من شروره ومضاره، كأن يرجع المسافر فيرى ما يسوؤه في أهله أو ماله أو ولده.
وذكر ابن عمر رضي الله عنهما في الرواية الأخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رجع من سفره قال هذا الدعاء، وزاد قوله: (آيبون) أي نحن معشر الرفقاء راجعون (تائبون) أي من المعاصي، (عابدون) من العبادة (لربنا حامدون) شاكرون على السلامة والرجوع، وأنه كان إذا كان بمكان عالٍ، قال: الله أكبر؛ فيتواضع أمام كبرياء الله عز وجل ، ثم قال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له..» إقرارًا بأنه تعالى المتفرد في إلهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، وأنه جل وعلا الناصر لأوليائه وجنده.
من فوائد الحديث
استحباب هذا الدعاء عند ركوب المسافر.
محل هذا الدعاء هو عند الركوب لمن أراد سفرًا.
استحباب التكبير إذا صعد المسافر مرتفعًا.
ينبغي على العبد أن يشكر مولاه على ما وفقه عليه من نعم لا يحصيها إلا مسديها.
استحباب ذكر هذا الدعاء عند العودة من السفر بالزيادة المذكورة في آخره, وفيه أن الإياب بالسلامة غنيمة ونعمة ينبغي أن يجدد العبد الشكر عندها.
يستحب للعبد تجديد العهد على الطاعة والعبادة والتوبة.
معاني الكلمات
كبّر
قال: الله أكبر.
مُقْرِنِين
مُطِيقِين.
البر
الخير والفضل.
هون علينا سفرنا
خفف عنا مشقته.
واطوِ عنا بعده
هيء لنا أسباب قطعه بزمن قصير.
الصاحب
الملازم بالعناية والحفظ.
الخليفة
المعتمد عليه والمفوض إليه.
أعوذ
أعتصم وأستجير.
وعْثَاء
شدة.
كآبة المنظر
من كل منظر يسبب الكآبة.
المنقلب
المرجع.
آيبون
راجعون.
قفل
رجع.
أوفى
ارتفع.
ثنية
مكان مرتفع.
فَدْفَد
هو بفتح الفائين بينهما دال مهملة ساكنة: الغليظ المرتفع من الأرض.
المراجع
- المسند الصحيح (صحيح مسلم), تأليف: مسلم بن حجاج النيسابوري, تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي, دار إحياء التراث العربي.
- نزهة المتقين شرح رياض الصالحين، نشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الرابعة عشر، 1407ه 1987م.
- شرح رياض الصالحين، لابن عثيمين، نشر: دار الوطن للنشر، الرياض، الطبعة: 1426ه.
- تطريز رياض الصالحين لفيصل بن عبد العزيز المبارك النجدي, تحقيق: عبد العزيز آل حمد, دار العاصمة , الطبعة: الأولى، 1423 هـ.
- بهجة الناظرين, سليم بن عيد الهلالي، الناشر: دار ابن الجوزي ، سنة النشر: 1418 هـ- 1997م.
- رياض الصالحين، للنووي، تحقيق : ماهر الفحل. دار ابن كثير - بيروت. الطبعة الأولى 1428ه - 2007م.
- دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين, محمد علي بن محمد بن علان البكري الصديقي الشافعي, اعتنى بها: خليل مأمون شيحا, الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت – لبنان, الطبعة: الرابعة، 1425 هـ - 2004 م.
عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: «تعوذوا بالله من جَهْدِ البلاء، وَدَرَكِ الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء». وفي رواية قال سفيان: أشك أني زدت واحدة منها.
صحيح · متفق عليه
الشرح
هذا الحديث من جوامع الكلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استعاذ من أربعة أمور، إذا سلم منها العبد سلمت له دنياه وأخراه، وهذا هو الفوز المبين، والفلاح العظيم؛ وجوامع الكلم اختصار المعاني الكثير في كلمات يسيرة.
فقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من أربعة امور، وهي:
"من جهد البلاء": أي شدة البلاء والجهد فيه- والعياذ بالله- لأن البلاء إذا اشتد فالإنسان لا يأمن نفسه من التبرم والضجر من أقدار الله تعالى، فيخسر بذلك العبد الدنيا والآخرة.
"ودرك الشقاء": أي اللحاق بالشقاء، وهو عام ويدخل فيه شقاء الآخرة دخولا أوليا ، لأنه الشقاء الذي لا يعقبه هناء، بخلاف شقاء الدنيا فالأيام دول، يوم لك تسر به، ويوم عليك تشقي به.
"وسوء القضاء": أي يقدر ويقع على العبد فيما لا يسره، وهو عام في كل شؤون الدنيا من: مال وولد وصحة وزوجة وغيرها، وشؤون الآخرة والمعاد.
والمراد بالقضاء هنا: المقضي، لأن قضاء الله وحكمه كله خير .
"وشماتة الأعداء": فهذا مما يتأثر به الإنسان أن يجد عدوه فرحا بمصابه، فدخول عدو الدين هو دخولا أصليا، وعدو الدنيا دخولاً ثانوياً.
من فوائد الحديث
تعليق الاستعاذة بالله تعالى يشعر بالطمأنية والأمن لقدرته سبحانه وتعالى على تحقيق العوذ، وصرف المستعاذ منه ، لأنه لا يصح التعوذ إلا بمن قدر على إزالة ما استعيذ به منه.
شفقة النبي صلى الله عليه وسلم ورحمته بأمته حيث أرشدهم إلى هذا الدعاء، فقال: " تعوذوا .." حرصًا على أمته.
استحباب الاستعاذة من الأشياء المذكورة، لأن الاستعاذة منها تدفع وقوع المكروه في الحياة الدنيا والآخرة.
الكلام المسجوع لا يكره إذا صدر عن غير قصد ولا تكلف.
تعميم الخطاب في الأمر بقوله صلى الله عليه وسلم: "تعوذوا" يشير إلى أهميته، بحيث لا يختص بأحد دون أحد.
معاني الكلمات
جهد البلاء
الحالة الشاقة.
الدرك
الإدراك واللحاق.
الشقاء
الهلاك ، ويطلق على السبب المؤدي إلى الهلاك.
سوء القضاء
يكون في أمور الدنيا، وفي أمور الآخرة، فهو عام في النفس والمال والأهل والولد والخاتمة والمعاد، والمراد بالقضاء هنا المقضي، لأن حكم الله تعالى كله حسن لا سوء فيه.
شماتة الأعداء
الشماتة: فرح العدو ببلية تنزل بمن يعاديه.
المراجع
- رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين؛ للإمام أبي زكريا النووي، تحقيق د. ماهر الفحل، دار ابن كثير-دمشق، الطبعة الأولى، 1428ه.
- دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين؛ لمحمد بن علان الشافعي، دار الكتاب العربي-بيروت.
- بهجة الناظرين شرح رياض الصالحين؛ تأليف سليم الهلالي، دار ابن الجوزي- الطبعة الأولى 1418ه.
- نزهة المتقين شرح رياض الصالحين؛ تأليف د. مصطفى الخِن وغيره، مؤسسة الرسالة-بيروت، الطبعة الرابعة عشر، 1407هـ.
- صحيح البخاري –الجامع الصحيح-؛ للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، عناية محمد زهير الناصر، دار طوق النجاة، الطبعة الأولى، 1422هـ.
- صحيح مسلم؛ للإمام مسلم بن الحجاج، حققه ورقمه محمد فؤاد عبد الباقي، دار عالم الكتب-الرياض، الطبعة الأولى، 1417هـ.
- كنوز رياض الصالحين، لحمد بن ناصر العمار، دار كنوز إشبيليا- الطبعة الأولى1430ه.
- شرح رياض الصالحين؛ للشيخ محمد بن صالح العثيمين، مدار الوطن، الرياض، 1426هـ.
- فتح الباري شرح صحيح البخاري- أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي- دار المعرفة - بيروت، رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي- قام بإخراجه وصححه وأشرف على طبعه: محب الدين الخطيب- عليه تعليقات العلامة: عبد العزيز بن عبد الله بن باز.
عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو بهذه الكلمات: «اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار، وعذاب النار، ومن شر الغنى والفقر».
صحيح · رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه
الشرح
كان النبي المختار -عليه الصلاة والسلام- يستعيذ من أمور أربعة:
فقوله: (اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار) أي فتنة تؤدي إلى النار، ويحتمل أن يراد بفتنة النار سؤال الخَزَنَة على سبيل التوبيخ، وإليه الإشارة بقوله تعالى: (كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير).
وقوله: (وعذاب النار) أي أعوذ بك من أن أكون من أهل النار، وهم الكفار فإنهم هم المعذبون، وأما الموحدون فإنهم مؤدبون ومهذبون بالنار لا معذبون بها.
(ومن شر الغنى): وهو البطر والطغيان وتحصيل المال من الحرام وصرفه في العصيان، والتفاخر بالمال والجاه والحرص على جمع المال وأن يكسبه من غير حله ويمنعه من إنفاقه في حقوقه.
و(الفقر) أي وشر الفقر، وهو الفقر الذي لا يصحبه صبر ولا ورع؛ حتى يتورط صاحبه بسببه فيما لا يليق بأهل الدين والمروءة، ويصحبه الحسد على الأغنياء والطمع في أموالهم والتذلل بما يدنس العِرْض والدين وعدم الرضا بما قسم الله له وغير ذلك مما لا تحمد عاقبته.
من فوائد الحديث
وجوب الابتعاد عن الفتن المسببة للابتلاء بالنار.
يبتلى العبد بالغنى كما يبتلى بالفقر؛ لأنهما فتنة.
الابتعاد عن الأسباب المهلكة المترتبة على فتنة الغنى كالبطر والكبر والحرص على جمع المال من الحرام ، والبخل بأداء حق الله تعالى فيه.
الابتعاد عن الأسباب المهلكة المترتبة على فتنة الفقر، كالتضجر، والتبرم من مقدر، والوقوع في المساخط والحسد.
الاستعاذة بالله من النار تستلزم الابتعاد عن جميع ما يسخط الله تعالى ، والفرار من المعاصي والخطايا ، والتزام الاستغفار والتوبة والتضرع إلى الله.
الغنى والفقر خير لمن أحسن استغلالهما.
معاني الكلمات
أعوذ بك
الاستعاذة هي الالتجاء إلى الله والاعتصام بجنابه من شر كل ذي شر.
فتنة النار
أعوذ بك أن تكون تصفيتي وتهذيبي بالنار وتأديبي بها، لأن الخطايا والذنوب يكفرها الله بالنار وبغيرها.
شر الغنى
الحرص على جمع المال وحبه حتى يكسبه من غير حله، ويمنعه من الإنفاق في حقه.
والفقر
أي وشر الفقر: وهو الفقر الشديد الذي يدفع صاحبه إلى أكل الحرام وعدم المبالاة.
المراجع
بهجة الناظرين شرح رياض الصالحين لسليم الهلالي، ط1، دار ابن الجوزي، الدمام، 1415هـ.
جامع الترمذي، تحقيق وتعليق: أحمد محمد شاكر ، وآخرون، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، ط2، مصر، 1395 هـ.
رياض الصالحين للنووي، ط1، تحقيق: ماهر ياسين الفحل، دار ابن كثير، دمشق، بيروت، 1428 هـ.
رياض الصالحين، ط4، تحقيق: عصام هادي، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية القطرية، دار الريان، بيروت، 1428هـ.
سنن ابن ماجه، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية - فيصل عيسى البابي الحلبي.
سنن أبي داود، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت.
السنن الكبرى، للنسائي،، تحقيق: حسن عبد المنعم شلبي، ط1، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1421 هـ.
صحيح أبي داود، للألباني ، ط1، مؤسسة غراس للنشر والتوزيع، الكويت، 1423هـ.
كنوز رياض الصالحين، مجموعة من الباحثين برئاسة حمد بن ناصر العمار، ط1، كنوز إشبيليا، الرياض، 1430هـ.
المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ط2، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.
نزهة المتقين شرح رياض الصالحين، لمجموعة من الباحثين، ط14، مؤسسة الرسالة، 1407هـ.
عن أبي هريرة رضي الله عنه : أنّ رجلًا قال: يا رسول الله، إني أُريد أن أُسافرَ فأَوْصِني، قال: «عليك بتقوى الله، والتَّكبير على كلِّ شَرَفٍ» فلمّا ولَّى الرجلُ، قال: «اللهم اطْوِ له البُعدَ، وهَوِّنْ عليه السفر».
حسن · رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد
الشرح
أراد رجل أن يسافر فقال: يا رسول الله أوصني، فأوصاه النبي صلى الله عليه وسلم أن يلتزم تقوى الله عز وجل ، وأن يكبر الله عز وجل في كل علوّ ومرتفع، فلما أدبر الرجل دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بأن يتيسر له من النشاط، وحسن الدواب ما يصل به مستريحًا، وأن يُسَهل عليه السفر بدفع مؤذياته عنه.
من فوائد الحديث
استحباب طلب النصح من أهل العلم والفضل والتقوى عند إنشاء السفر.
وصية المسافر بتقوى الله، وتعليمه آداب السفر.
الدعاء للمسافر بما يفيده في سفره، ويبعد عنه المشقة.
معاني الكلمات
عليك
الزم.
شرف
مكان عال.
ولى
أدبر وذهب.
اطو له
قربه له، وسهل له.
المراجع
- سنن الترمذي، محمد بن عيسى الترمذي، تحقيق وتعليق: أحمد محمد شاكر ومحمد فؤاد عبد الباقي وإبراهيم عطوة عوض -شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي – مصر الطبعة: الثانية، 1395 هـ - 1975 م.
- سنن ابن ماجه، ابن ماجه أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي- دار إحياء الكتب العربية - فيصل عيسى البابي الحلبي.
- مسند الإمام أحمد بن حنبل، أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، المحقق: شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد، وآخرون إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى، 1421 هـ - 2001 م.
- بهجة الناظرين شرح رياض الصالحين؛ تأليف سليم الهلالي، دار ابن الجوزي- الطبعة الأولى 1418ه.
- نزهة المتقين شرح رياض الصالحين؛ تأليف د. مصطفى الخِن وغيره، مؤسسة الرسالة-بيروت، الطبعة الرابعة عشر، 1407هـ.
- مرقاة المفاتيح، علي بن سلطان محمد، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري -دار الفكر، بيروت – لبنان الطبعة: الأولى، 1422هـ - 2002م.
- دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، محمد علي بن محمد بن علان بن إبراهيم البكري الصديقي الشافعي -اعتنى بها: خليل مأمون شيحا- دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت – لبنان- الطبعة: الرابعة، 1425 هـ - 2004 م.
- سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة، محمد ناصر الدين الألباني -دار المعارف، الرياض - الممكلة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، 1412 هـ / 1992.
- كنوز رياض الصالحين، لحمد بن ناصر العمار، دار كنوز إشبيليا- الطبعة الأولى، 1430ه.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بِتُّ عند ميمونة، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فأتى حاجَتَه، فغسل وجهه ويديه، ثم نام، ثم قام، فأَتى القِرْبَة فأطلق شِنَاقَهَا، ثم توضأ وضوءا بين وضوءين لم يُكْثِرْ وقد أبلغ، فصلى، فقمت فَتَمَطَّيْتُ؛ كراهية أن يرى أني كنت أَتَّقِيهِ، فتوضأت، فقام يصلي، فقمت عن يساره، فأخذ بِأُذُنِي فَأَدَارَنِي عن يمينه، فَتَتَامَّت صلاته ثلاث عشرة ركعة، ثم اضطجع فنام حتى نَفَخ، وكان إذا نام نَفَخ، فَآذَنَهُ بلال بالصلاة، فصلَّى ولم يتوضأ، وكان يقول في دعائه: «اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي بَصري نورا، وفي سمعي نورا، وعن يميني نورا، وعن يساري نورا، وفَوْقِي نورا، وتحتي نورا، وأمامي نورا، وخلفي نورا، واجعل لي نورا».
صحيح · متفق عليه
الشرح
يخبر ابن عباس رضي الله عنهما في هذا الحديث أنه نام عند خالته ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم و-رضي عنها- "فأتى حاجَتَه" أي: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحتاج إليه من البول والغائط، "فغسل وجهه ويديه، ثم نام" بعد أن قضى حاجته صلى الله عليه وسلم غسل وجهه للتنشيط، ويديه للتنظيف، "ثم قام، فأتى القِرْبَة فأطْلَق شِنَاقَهَا" يعني: بعد أن استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم من نومه قصد القِرْبَة، فحَلَّ الخيط الذي يُشَد به فَوْهَة السِقَا؛ لحفظ ما بداخله من ماء ونحوه، "ثم توضأ" وضوئه للصلاة "وضُوءًا بَيْن وضُوءَيْنِ" توضأ من غير إخلال ولا مُبَالغة، فكان بين الأمرين، ولهذا قال: "لم يُكْثِرْ" أي: اكتفى بأقل من ثلاث مرات، وهذا جائز والسُّنة ثلاث مرات، "وقد أَبْلَغَ" يعني: أسبع الوضوء بأن أوصله إلى ما يجب إيصاله إليه، وهذا القدر الواجب، "فصلَّى" صلاة الليل، "فَقُمْتُ فَتَمَطَّيْتُ"، يقول ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يرقب النبي صلى الله عليه وسلم في أفعاله، ثم إنه تمدد وأظهر خلاف ما هو عليه، حتى لا يشعر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه كان يرقبه؛ ولهذا قال: "كراهية أن يرى أني كنت أَتَّقِيهِ"، يعني: أرصده وأرقب أفعاله.
فهذا سبب تمدد ابن عباس رضي الله عنهما وتصنعه بالتمدد؛ وإنما فعل ذلك؛ لأن الغالب أن الإنسان إذا خَلا في بيته قد يأتي بأفعال لا يحب أن يَطلع عليها أحد، أو لأنه خشي أن يترك بعض عمله صلى الله عليه وسلم بسبب مراقبته؛ لما جَرى من عادته صلى الله عليه وسلم أنه كان يترك بعض العمل؛ خَشية أن يفرض على أمَّته.
فأراد أن يتخفى بفعله ذلك؛ لأجل أن يأخذ من النبي صلى الله عليه وسلم كل دقائق أموره من حين أن يستيقظ إلى أن يأتيه الدَّاعي لصلاة الفجر، وهذا من حرصه رضي الله عنهما على تحصيل العلم من أصله.
قال: "فتوضَّأت"، وفي رواية: "فتوضأت نحوًا مما توضأ" وفي رواية في البخاري :"فقمت فصنعت مثل ما صنع"، "فقام يصلي فَقُمْتُ عن يساره" يعني: أن ابن عباس لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم دخل في صلاته توضأ ولحق بالنبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه قام عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم ، "فأخذ بِأُذُنِي" يعني: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بأذنه ثم أداره من جهة اليسار إلى اليمين، وفي رواية: "فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده اليُمنى على رأسي، وأخذ بأذني اليُمنى يَفْتِلُها بيده "ووضع يده أولا؛ ليتمكن من مسك الأذن، أو لأنها لم تقع إلا عليه، أو لينزل بركتها به ليعي جميع أفعاله -عليه السلام- في ذلك المجلس وغيره، قال: "وفتلها" إما: لينبهه على مخالفة السنة أو ليزداد تيقظه لحفظ تلك الأفعال، أو ليزيل ما عنده من النعاس، أو لإدارته من اليسار إلى اليمين، أو لتأنيسه؛ لكون ذلك في ظلمة الليل كما صرح بذلك ابن عباس في رواية البخاري؛ أو لإيقاظه أو لإظهار محبته؛ لأن حاله كانت تقتضي ذلك؛ لصغر سنه.
"فَأَدَارَنِي عن يمينه" أي: أداره عن جانب يساره إلى جانب يمينه، وهي موقف المأموم الواحد من الإمام.
"فَتَتَامَّت صلاته" فسرها بقوله: "ثلاث عشرة ركعة" أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى تلك الليلة ثلاث عشرة ركعة مع ركعة الوتر، يفصل بين كل ركعتين بسلام، كما في رواية البخاري: "يسلم من كل ركعتين"، وفي رواية عند البخاري ومسلم: "ثم صلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين، ثم أوتر" أي: بركعة واحدة مفصولة عن الركعتين؛ لأنه إذا صلى ركعتين ركعتين ست مرات مع الفصل بين كل ركعتين صارت الجملة اثنتي عشرة ركعة غير ركعة الوتر، وكانت جميع صلاته صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة ركعة، فلم يبق الوتر إلا ركعة واحدة.
"ثم اضطجع فنام حتى نَفَخ" أي كان يتنفس بصوت حتى يسمع منه صوت النَّفخ، "وكان إذا نام نَفَخ، فَآذَنَهُ بلال بالصلاة" أعلمه بصلاة الصُّبح، "فصلَّى" سنة الفجر أولاً، ثم خرج إلى المسجد فصلى الصبح بالجماعة، "ولم يتوضأ" بل اكتفى بالوضوء السابق، وهذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم أن نومه لا ينقض الوضوء؛ لأن عينيه تنامان ولا ينام قلبه، فلو خرج حدث لأحس به بخلاف غيره من الناس، ولهذا لما قالت عائشة رضي الله عنها "أتنام قبل أن توتر؟ قال: (يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي).
"وكان يقول في دعائه" أي: من جملة دعائه تلك الليلة هذا الدعاء: "اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي بَصري نورا، وفي سمعي نورا، وعن يميني نورا، وعن يساري نورا، وفَوْقِي نورا، وتحتي نورا، وأمامي نورا، وخلفي نورا، واجعل لي نورا"، وسأل النور في أعضائه وجهاته، والمراد به بيان الحق وضياؤه والهداية إليه، فسأل النور في جميع أعضائه وجسمه وتصرفاته وتقلباته وحالاته وجملته في جهاته الست حتى لا يزيغ شيء منها عنه.
من فوائد الحديث
جواز أن يبيت الرَّجل عند خالته أو عمته أو غيرهما من المحارم، وإن كانت ذات زوج، إذا عُلم من ذلك رضى صاحب البيت.
أنه -صلى الله عليه وسلم- بَشر، يأكل ويشرب ويتغوط وينام وينفخ في نومه، فدل ذلك على أنه -صلى الله عليه وسلم-، ليس له شيء من خصائص الألوهية أو الربوبية، وقد قال عن نَفْسه -صلى الله عليه وسلم-: (إنما إنا بشرٌ مثلكم أنسَى كما تَنْسَون).
استحباب وضوء الإنسان لنفسه بغير استعانة؛ لقوله: "فأطلق شِنَان القِرْبَة ثم توضأ"، والاستعانة جائزة؛ لأحاديث أخرى.
أن غسل أعضاء الوضوء أقل من ثلاث مرات مجزئ، لكن بشرط الإسباغ، والسُّنة ثلاث غسلات.
ما كان عليه ابن عباس -رضي الله عنهما- من الحرص على الخير وتعلم العلم، والاقتداء به -صلى الله عليه وسلم- والاقتباس منه، وحفظ أفعاله وأقواله من صغره.
أن نية الإمامة ليست شرطا من أول الصلاة؛ لأن ابن عباس -رضي الله عنهما- دخل مع النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد أن شرع -عليه الصلاة والسلام- في صلاته.
أن موقف الواحد من الإمام يكون عن يمين الإمام لا عن يساره ولا من خلفه.
أن موقف المأموم الواحد من الإمام يكون مساويا للإمام؛ لأنه لم يَذكر تقدم ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا تأخره عنه.
تحويل الإمام للمأموم إذا وقف عن يساره.
أن الحركة اليسيرة في الصلاة لا تبطلها؛ يؤخذ هذا من إدارته -صلى الله عليه وسلم- لابن عباس، وانتقال ابن عباس -رضي الله عنهما- من الجانب الأيمن إلى الجانب الأيسر.
أن صلاة الصبي صحيحة، وأن موقفه من الإمام كالبالغ.
أن صلاة الجماعة في النوافل جائزة، لكن لا على سبيل الدوام.
أن تهجد النبي -صلى الله عليه وسلم- من الليل ثلاث عشرة ركعة.
أن الأفضل في صلاة الوتر وغيرها من النوافل أن يسلِّم من كل ركعتين؛ لقول ابن عباس -رضي الله عنهما- كما في الرواية الأخرى: (يسلِّم من كل ركعتين).
فيه أن الأفضل أن يختم وتره بركعة مفصولة، فيصلي ركعتين ركعتين... ثم يوتر بركعة، كما في الرواية الأخرى عن ابن عباس -رضي الله عنه-.
اختصاص النبي -صلى الله عليه وسلم- ببعض الأحكام دون سائر الأمة، ومن ذلك عدم انتقاض الوضوء بالنوم.
الاستكثار من فضل الله -عز وجل-؛ فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع ما جَبَلَه الله -عز وجل- عليه من النُّور الذي فضل فيه الأولين والآخرين لم يقنعه ذلك حتى سأل ربه المزيد منه.
معاني الكلمات
القِرْبَة
وِعَاء من جلد، يوضع فيه الماء ونحوه من السؤال.
شِنَاقَهَا
الشِّنَاق: خَيْط يُشَدُّ به فَمُ القِربة.
تَمَطَّيْتُ
التَّمَطِّيْ: التَّمَدُّد.
أَتَّقِيهِ
أي: أرْصُده وأراعيه.
فَتَتَامَّت
تكاملت.
نَفَخ
النَّفخ: هو إرسال الهواء من الفم، والمراد هنا ما يخرج من النائم حين استغراقه في نومه.
فآذَنَهُ بالصلاة
أعلمه بالصلاة.
اللَّهُمَّ
يا الله.
المراجع
صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي، تحقيق: محمد زهير الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي)، الطبعة: الأولى 1422هـ.
صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة: 1423هـ.
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، أبو زكريا محيي الدين النووي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة: الثانية 1392هـ.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، أحمد بن محمد القسطلاني القتيبي، الناشر: المطبعة الكبرى الأميرية، مصر، الطبعة: السابعة 1323 هـ.
شرح الزرقاني على موطأ مالك، محمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني، تحقيق: طه عبد الرءوف سعد، الناشر: مكتبة الثقافة الدينية، الطبعة: الأولى 1424هـ، 2003م.
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، علي بن سلطان الملا الهروي القاري، الناشر: دار الفكر، بيروت، لبنان، الطبعة: الأولى، 1422هـ، 2002م.
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، عبيد الله بن محمد عبد السلام المباركفوري، إدارة البحوث العلمية والدعوة والإفتاء، الجامعة السلفية، بنارس الهند، الطبعة: الثالثة 1404هـ.
عن جابر رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم} [الأنعام: 65] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بوجهك»، قال: {أو من تحت أرجلكم} [الأنعام: 65]، قال: «أعوذ بوجهك» {أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض} [الأنعام: 65] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا أهون أو هذا أيسر».
صحيح · رواه البخاري
الشرح
لما نزلت هذه الآية: {قل هو القادر} أي الكامل القدرة ({على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم} كالحجارة التي أمطر بها قوم لوط، قال صلى الله عليه وسلم: أعوذ بوجهك، {أو من تحت أرجلكم} كالرجفة والخسفة التي أصابت قوم صالح وقارون، قال صلى الله عليه وسلم: أعوذ بوجهك أي من عذابك، {أو يلبسكم شيعا} أي يخلطكم فرقًا مختلفين على أهواء شتى، {ويذيق بعضكم بأس بعض} بالقتال بينهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا أهون أو هذا أيسر، أي مما قبله؛ لأن الفتن بين المخلوقين وعذابهم أهون وأيسر من عذاب الله تعالى.
من فوائد الحديث
إثبات الوجه لله عز وجل بدون تشبيه ولا تعطيل.
الاستعاذة بالله من عذابه.
الفتن بين المخلوقين وعذابهم أهون وأيسر من عذاب الله.
معاني الكلمات
أعوذ
ألجأ.
يلبسكم شيعًا
يجعلكم جماعات مختلفة ومتفرقة.
أهون
أيسر.
المراجع
صحيح البخاري (6/ 56) (4628)، إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (10/ 325)، النهاية في غريب الحديث والأثر (ص 649).
عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: "قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم".
صحيح · متفق عليه
الشرح
قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: علمني دعاء أدعو به في صلاتي، والمراد به في حالة القعود بعد التشهد قبل السلام، قال صلى الله عليه وسلم: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، يعني بإتيان ما يوجب العقوبة، ولا يغفر الذنوب إلا أنت فيها الإشارة إلى الإقرار بأن الله هو الذي يغفر الذنوب، وليس ذلك لغيره، فاغفر لي مغفرةً من عندك، وقوله من عندك إشارة إلى التعظيم، لأن ما يكون من عنده لا يحيط به وصف الواصفين، وهو طلب مغفرة متفضل بها لا يقتضيها سبب من جهة العبد من عمل صالح وغيره، وحاصله: هب لي المغفرة، وإن لم أكن أهلًا لها بعملي، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم، وفي هاتين الصفتين مقابلة حسنة لأن قوله: الغفور مقابل لقوله: اغفر لي وقوله: الرحيم مقابل لقوله: ارحمني.
وهذا الدعاء من الجوامع إذ فيه اعتراف بغاية التقصير، وهو كونه ظالما ظلما كثيرا، وطلب غاية الإنعام التي هي المغفرة والرحمة، إذ المغفرة ستر الذنوب ومحوها، والرحمة إيصال الخيرات، فالأول ينتج عنه الزحزحة عن النار، والثاني يشمل إدخال الجنة، وهذا هو الفوز العظيم.
من فوائد الحديث
طلب التعليم من العالم، ومن ذلك تعلم الدعوات المباركة.
الاعتراف بالتقصير ونسبة الظلم إلى النفس.
الاعتراف بأن الله سبحانه هو المتفضل المعطي من عنده رحمة على عباده من غير مقابلة عمل حسن.
استحباب قراءة الأدعية في آخر الصلاة.
المراجع
صحيح البخاري (1/ 166) (834)، صحيح مسلم (4/ 2078) (2705)، عمدة القاري شرح صحيح البخاري (6/ 119)، (22/ 292).
جئن للنبي صلى الله عليه وسلم نساء باكيات من الضيق والشدة وقلة المطر، فاستسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: اللهم أنزل علينا مطرًا يحصل لنا به العون والفائدة، هنيئًا، ينبت الربيع، يكون نافعًا وغير ضار، قريبًا غير مؤجل، وقد حصل ذلك عاجلًا فأجاب الله دعاء نبيه عليه الصلاة والسلام، فحصل نزول المطر بغزارة وبكثرة ولله الحمد.
من فوائد الحديث
إجابة الله عز وجل دعاء نبيه عليه الصلاة والسلام، وهو من دلائل نبوته.
بيان دعاء من أدعية الاستسقاء.
معاني الكلمات
غيثًا
مطرًا.
مُغيثًا
مُنجدًا ومُسعِفًا.
مريئًا
طيبًا محمود العاقبة.
مَريعًا
بضم الميم وفتحها، أي: مُنبتًا مُخصبًا.
المراجع
سنن أبي داود (2/ 370) (1169)، شرح سنن أبي داود لابن رسلان (6/ 28).
صحيح · رواه النسائي في الكبرى وابن خزيمة وابن حبان والحاكم
الشرح
في هذا الحديث بيان دعاء دخول القرية، إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد دخول قرية قال حين يراها: اللهم رب السماوات السبع وما أظلت، ورب الأرضين وما حوت من مخلوقات، ورب الشياطين وما نشرت من ضلال، ورب الرياح وما نثرت، فبدأ بالثناء على الله عز وجل ثم ثنَّى بسؤاله تعالى خيرَ ما في القرية التي رآها، وخير أهلها، واستعاذ من شرها وشر ما في القرية من الناس المارين بها والحيوانات والجن وشر أهلها الذين يسكنونها.
من فوائد الحديث
بيان الدعاء عند دخول القرية، واستحبابه.
أنه يقال عند ظهور القرية لنظر المسافر.
البدء بثناء الله عز وجل عند الدعاء.
معاني الكلمات
القرية
المدينة، ويشمل كل حاضرة، صغيرة أو كبيرة.
أقللن
حَمَلْن.
ذرين
نَثَرْن.
المراجع
السنن الكبرى للنسائي (8/ 117) (8775)، صحيح ابن خزيمة (2/ 1222) (2565)، صحيح ابن حبان (6/ 425) (2709)، المستدرك على الصحيحين للحاكم (1/ 614) (1634).
أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نسأل الله أن يعيذنا وينجينا من أربعة أشياء: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المسيح الدجال التي ستكون في آخر الزمان، ومن فتنة المحيا والممات، وهذا الدعاء يستحب أن يقال قبل التسليم من الصلاة وبعد التشهد كما في الصحيح.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: من سأل الله الجنة بأن قال: اللهم إني أسألك الجنة، أو قال: اللهم أدخلني الجنة، وقالها ثلاث مرات قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة دخولًا أوليًّا من غير سابق عذاب، ومن استعاذ من النار بأن قال: اللهم أجرني من النار ثلاث مرات، قالت النار: اللهم احفظه وأنقذه من النار.
من فوائد الحديث
الحث على كثرة سؤال الجنة والتعوذ من النار.
المراجع
سنن الترمذي (4/ 281) (2572)، سنن النسائي (8/ 279) (5521)، سنن ابن ماجه (5/ 388) (4340)، مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه والقول المكتفى على سنن المصطفى (26/ 401)، ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (40/ 77).
قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه بعد أن توفي النبي صلى الله عليه وسلم بيسير: قام النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المنبر النبوي في العام الماضي، ثم بكى أبو بكر، ثم قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: الزموا الصدق، فإنه مقترن بالبر وفعل الخير، والصدق مع البر يوصلان صاحبهما إلى الجنة، وباعدوا أنفسكم عن الكذب، فإنه مقترن بالإثم والذنب، والفجور والكذب موصلان صاحبهما إلى النار، وسألوا الله السلامة من بلاء الدنيا والآخرة، فإنه لم يعط أحد من الناس بعد اليقين والإيمان خيرًا من السلامة من البلايا، ولا يحسد بعضكم بعضًا بتمني زوال النعمة منه، ولا يبغض ويكره بعضكم بعضًا، ولا تفعلوا فيما بينكم أسباب القطيعة؛ من السب والشتم والهجران في الكلام، ولا تفعلوا فيما بينكم فعل المتباغضين الذين يدبر كل واحد منهما عن الآخر، وكونوا يا عباد الله مثل إخوان النسب في الشفقة والرحمة والمودة والمواساة والمعاونة والنصيحة.
من فوائد الحديث
الحث على الصدق والبر، فهما موصلان للجنة.
النهي عن الكذب والفجور، فهما موصلان للنار.
الأمر بسؤال الله المعافاة والسلامة.
المحافظة على أخوة الدين كأخوة النسب بالرحمة والمعاونة والنصيحة.
معاني الكلمات
تدابروا
يعطي كل واحد للآخر ظهره معرضًا عنه.
المراجع
سنن الترمذي (5/ 449) (3558)، سنن ابن ماجه (5/ 19) (3849)، مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه والقول المكتفى على سنن المصطفى (23/ 25).
حسن · رواه الترمذي والنسائي في الكبرى والطبراني في الدعاء
الشرح
قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: قليل ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم من مجلس عام حتى يدعو بهؤلاء الدعوات لأصحابه: (اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك) اللهم اجعل لنا من خوفك نصيبًا يحجب ويمنع بيننا وبين معصيتك؛ لأن القلب إذا امتلأ من الخوف أحجمت الأعضاء عن المعاصي، (ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك) واقسم لنا من طاعتك ما توصلنا به لجنتك، مع شمولنا برحمتك، فليست الطاعةُ وحدَها موصلةً، (ومن اليقين ما تُهوِّن به علينا مصيبات الدنيا) واقسم لنا من اليقين ما تسهل به علينا المصائب الدنيوية، بأن نعلم ونقر أن ماأصابنا لم يكن ليخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، (ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا) واجعلنا نستمتع بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا مدة حياتنا، (واجعله الوارث منا) واجعل تمتعنا بها باقيًا عنا موروثًا لمن بعدنا أو محفوظًا لنا حتى نموت، (واجعل ثأرنا على من ظلمنا) واجعل أخذنا لحقنا مقصورًا على من ظلمنا، ولا تجعلنا ممن تعدى في طلب حقه، فأخذ به غير الجاني، (وانصرنا على من عادانا) وانصرنا على عدونا وانتقم منه، (ولا تجعل مصيبتنا في ديننا) ولا تصبنا بما ينقص ديننا من أكل حرام أو غيره، (ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا) ولا تجعل الدنيا أكبر همومنا، فإن ذلك سبب للهلاك ولا منتهى علمنا، بحيث تكون جميع معلوماتنا في الطرق المحصلة للدنيا، (ولا تسلط علينا من لا يرحمنا) ولا تجعلنا مغلوبين للظلمة والكفرة أو لا تجعل الظالمين علينا حاكمين أو من لا يرحمنا منهم ومن ملائكة العذاب.
من فوائد الحديث
هذا الدعاء جامع لخيري الدنيا والآخرة.
ضرورة سؤال الله الإعانة على الطاعة والبعد عن المعصية.
عدم التعدي في طلب الحق للمظلوم.
ختم المجالس بالدعاء للحضور ليس بدعة.
معاني الكلمات
يحول
يمنع.
المراجع
سنن الترمذي (5/ 406) (3502)، السنن الكبرى للنسائي (9/ 154) (10161)، الدعاء للطبراني (1911)، التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 218)، تطريز رياض الصالحين (ص: 508).
كان النبي صلى الله عليه وسلم من دعائه: اللهم إني أعوذ بك من الجوع، فإن بئس الصاحب الجوع الذي يمنعك من العبادات كالسجود والركوع، وأعوذ بك من مخالفة الحق، بنقض العهد في جميع التكاليف الشرعية، فإنها بئس الشيء الذي يجعله الإنسان في داخله وباطنه.
من فوائد الحديث
الاستعاذة من الجوع والخيانة؛ اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم.
أن الجوع المجرد لا ثواب فيه.
المراجع
سنن أبي داود (2/ 646) (1547)، سنن النسائي (8/ 263) (5468)، سنن ابن ماجه (4/ 451) (3354)، مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه والقول المكتفى على سنن المصطفى (19/ 424)، ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (40/ 19).
عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قَال: عَادَنِي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْداً، اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْداً، اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْداً».
صحيح · متفق عليه واللفظ بنحوه لمسلم
الشرح
حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم عاده في مرضه فقال: "اللهم اشف سعداً، اللهم اشف سعداً، اللهم اشف سعداً" ثلاث مرات، ففي هذا الحديث دليل على أن من السنة أن يعود الإنسان المريض المسلم، وفيه أيضاً حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم ومعاملته لأصحابه، فإنه كان صلى الله عليه وسلم يعود مرضاهم ويدعو لهم، وفيه أنه يستحب أن يدعى بهذا الدعاء: اللهم اشف فلاناً، وتسميه ثلاث مرات، فإن هذا مما يكون سبباً في شفاء المريض،
من فوائد الحديث
استحباب الدعاء للمريض بالشفاء، وتخصيصه بذلك.
استحباب عيادة المريض للإمام، كاستحبابها لآحاد الناس.
جواز طلب الشفاء من الله تعالى.
استحباب الإلحاح في الدعاء.
المراجع
صحيح مسلم, ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي, دار إحياء التراث العربي, بيروت.
دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين لمحمد بن علان الصديقي, دار الكتاب العربي.
شرح رياض الصالحين لابن عثيمين , دار الوطن للنشر، الرياض, الطبعة: 1426 هـ.
بهجة الناظرين شرح رياض الصالحين لسليم الهلالي, دار ابن الجوزي.
نزهة المتقين شرح رياض الصالحين لمجموعة من الباحثين, مؤسسة الرسالة, الطبعة الرابعة عشر, 1407ه.
عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يدعو: «ربِّ أَعِنِّي ولا تُعِن عليَّ، وانصرني ولا تنصر عليَّ، وامكر لي ولا تمكر عليَّ، واهدني ويسِّر هُدايَ إليَّ، وانصرني على مَن بغى عليَّ، اللهم اجعلني لك شاكرًا، لك ذاكرًا، لك راهبًا، لك مِطواعًا، إليك مُخْبِتًا، أو مُنِيبا، رب تقبَّل توبتي، واغسل حَوْبتي، وأجب دعوتي، وثبِّت حُجَّتي، واهدِ قلبي، وسدِّد لساني، واسْلُلْ سَخِيمةَ قلبي».
صحيح · رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد
الشرح
كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول: «ربِّ أَعِنِّي» أي: وفقني لذكرك وشكرك وحسن عبادتك، «ولا تُعِن عليَّ» أي: لا تُغَلِّب عليَّ مَن يمنعني من طاعتك من شياطين الإنس والجن، «وانصرني ولا تنصر عليَّ» أي: انصرني على الكفار ولا تجعلهم ينتصرون عليَّ، أو انصرني على نفسي فإنها أعدى أعدائي ولا تنصر النفس الأمارة بالسوء عليَّ بأن أتبع الهوى وأترك الهدى، «وامكر لي ولا تمكر عليَّ»
أي: امكر بأعدائي الماكرين وأوقع بهم من حيث لا يشعرون، ولا تفعل ذلك بي، والمكر من صفات الله تعالى الفعلية، ولكنه لا يوصف بها على سبيل الإطلاق، إنما يوصف بها حين تكون مدحا، مثل مكره بالكافرين وبمن يمكر بالمؤمنين ونحو ذلك، ولا يصح نفي صفة المكر عن الله تعالى؛ لأنه سبحانه أثبتها لنفسه، فنثبتها له تعالى على الوجه اللائق به سبحانه.
«واهدني ويسِّر هُدايَ إليَّ» أي: دلني على الخيرات وسهل اتباع الهداية أو طرق الدلالة لي حتى لا أستثقل الطاعة ولا أنشغل عن العبادة، «وانصرني على مَن بغى عليَّ» أي: وانصرني على من ظلمني وتعدى عليَّ.
«اللهم اجعلني لك شاكرًا»أي: على النعماء «لك ذاكرا» في جميع الأوقات «لك راهبا» أي خائفا في السراء والضراء «لك مِطواعا» أي: كثير الطوع وهو الانقياد والطاعة «إليك مخبتا» أي: خاضعا خاشعا. متواضعا «منيبا» أي: راجعًا إليك تائبًا، فالتوبة رجوع من المعصية إلى الطاعة.
«رب تقبل توبتي» أي: اجعلها صحيحة بشرائطها واستجماع آدابها فإنها لا تتخلف عن القبول «واغسل حَوبتي» أي: امحُ ذنبي «وأجب دعوتي» أي: دعائي، «وثبِّت حُجَّتي» أي: على أعدائك في الدنيا، أو ثبِّت قولي وتصديقي في الدنيا وعند جواب الملكين، «واهد قلبي وسدِّد لساني» أي: صوِّب وقوِّم لساني حتى لا ينطق إلا بالصدق ولا يتكلم إلا بالحق، «واسلُل سَخِيمةَ قلبي» أي: أخرج غشه وغله وحقده وحسده ونحوها، مما ينشأ من الصدر ويسكن في القلب من مساوئ الأخلاق.
من فوائد الحديث
المكر من صفات الله تعالى الفعلية، ولكنه لا يوصف بها على سبيل الإطلاق، إنما يوصف بها حين تكون مدحا، وذلك في حال المقابلة فالله يمكر بالماكرين.
استحباب الدعاء بهذه الكلمات.
معاني الكلمات
بغى
ظلم وتعدى.
راهبا
خائفا.
مِطواعا
كثير الطاعة.
مُخْبتا
خاضعا خاشعا.
مُنيبا
راجعا تائبا.
حَوْبتي
ذنبي.
حُجَّتي
قولي.
سدِّد
صوِّب وقوِّم.
اسْلُل
أخرج.
سَخِيمة
الضغن والحقد.
المراجع
سنن الترمذي، نشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي – مصر، الطبعة: الثانية، 1395هـ - 1975م.
سنن أبي داود، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، نشر: المكتبة العصرية، صيدا – بيروت.
مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد، وآخرون، نشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 1421هـ - 2001م.
سنن ابن ماجه، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، نشر: دار إحياء الكتب العربية - فيصل عيسى البابي الحلبي.
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، لعلي بن سلطان الملا الهروي القاري، الناشر: دار الفكر، بيروت – لبنان، الطبعة: الأولى، 1422هـ - 2002م.
صحيح الجامع الصغير وزياداته، للألباني، نشر: المكتب الإسلامي.
شرح العقيدة الواسطية، ويليه ملحق الواسطية- محمد بن خليل هرّاس -ضبط نصه وخرَّج أحاديثه ووضع الملحق: علوي بن عبد القادر السقاف-الناشر: دار الهجرة للنشر والتوزيع - الخبر-الطبعة: الثالثة، 1415هـ.
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللَّهُمَّ لك أَسْلَمْتُ، وبِكَ آمَنتُ، وعَلَيكَ تَوَكَّلْت، وإِلَيكَ أَنَبْتُ، وبك خَاصَمْتُ، اللهم أعُوذ بِعزَّتك؛ لا إله إلا أنت أن تُضلَّني، أنت الحَيُّ الذي لا تموت، والجِنُّ والإنْسُ يَمُوتُونَ».
صحيح · متفق عليه
الشرح
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: (اللهم لك أسلمت) أي: انقيادا ظاهرا لا لغيرك، (وبك آمنت) أي: تصديقا باطنا، (وعليك توكلت) أي: أسلمت جميع أموري لتدبرها، فإني لا أملك نفعها ولا ضرها، (وإليك أنبت) أي: رجعت من المعصية إلى الطاعة أو من الغفلة إلى الذكر، (وبك) بإعانتك (خاصمت) أي: حاربت أعداءك، (اللهم إني أعوذ بعزتك) أي: بغلبتك فإن العزة لله جميعا. (لا إله إلا أنت) لا معبود بحق سواك ولا سؤال إلا منك ولا استعاذة إلا بك.
(أن تضلني) أي: أعوذ من أن تضلني بعد إذ هديتني ووفقتني للانقياد الظاهر والباطن في حكمك وقضائك وللإنابة إلى جنابك والمخاصمة مع أعدائك والالتجاء في كل حال إلى عزتك ونصرتك، (أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون).
من فوائد الحديث
وجوب التوكل على الله -تعالى- وحده وطلب الحفظ منه؛ لأنه متصف بصفات الكمال، فهو وحده الذي يعتمد عليه، والخلق كلهم عاجزون ومنتهون إلى الموت، فهم ليسوا أهلاً للاعتماد عليهم.
كل ما سوى الله هالك، فلا يعتمد عليهم.
التأسي بالنبي -صلى الله عليه وسلم- بهذه الكلمات الجامعة لمعاني الخير، التي تعبر عن صدق الإيمان وغاية اليقين.
كمال الرجوع إلى الله تعالى والركون إليه في الأحوال كلها، والاعتصام بحبله، والتوكل عليه.
الالتجاء إلى الله والاعتصام به، فمن اعتزَّ بغير الله ذلّ، ومن اهتدى بغير هدايته ضلّ، ومن اعتصم بالله -تعالى- وتوكَّل عليه عظُم وجلّ.
إظهار النبي -صلى الله عليه وسلم- افتقاره لربه .
فناء كل المخلوقات إلا ما شاء الله -تعالى-.
الإشارة إلى الفرق بين الإسلام والإيمان.
معاني الكلمات
أسلمت
استسلمت لأمرك ورضيت بحكمك.
توكلت
اعتمدت على تدبيرك في جميع الأمور.
أنبت
أقبلت ورجعت إليك بالتوبة.
خاصمت
نازعت، والمراد: خاصمت ثقة في نصرك ومؤازرتك لي.
أعوذ
ألتجئ.
بعزتك
بقوتك وسلطانك.
الإيمان
إقرار القلب المستلزم للقول والعمل، فهو اعتقاد وقول وعمل، اعتقاد القلب، وقول اللسان، وعمل القلب والجوارح.
المراجع
- صحيح البخاري -الجامع الصحيح-؛ للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، عناية محمد زهير الناصر، دار طوق النجاة، الطبعة الأولى، 1422هـ.
- صحيح مسلم؛ للإمام مسلم بن الحجاج، حققه ورقمه محمد فؤاد عبد الباقي، دار عالم الكتب-الرياض، الطبعة الأولى، 1417هـ.
- كنوز رياض الصالحين، لحمد بن ناصر العمار، دار كنوز إشبيليا- الطبعة الأولى1430ه.
- شرح رياض الصالحين؛ للشيخ محمد بن صالح العثيمين، مدار الوطن، الرياض، 1426هـ.
- دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين؛ لمحمد بن علان الشافعي، تحقيق خليل مأمون شيحا-دار المعرفة-بيروت-الطبعة الرابعة1425ه.
- بهجة الناظرين شرح رياض الصالحين؛ تأليف سليم الهلالي، دار ابن الجوزي- الطبعة الأولى1418ه.
- نزهة المتقين شرح رياض الصالحين؛ تأليف د. مصطفى الخِن وغيره، مؤسسة الرسالة-بيروت، الطبعة الرابعة عشرة، 1407هـ.
صحيح · متفق عليه، وهذا لفظ مسلم ورواه البخاري مختصرًا
الشرح
كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: (اللهم لك أسلمت) وانْقَدْتُ، (وبك آمنت) وصدقت وأقررت، (وعليك توكلت) وفوضت واعتمدت، (وإليك أنبت) ورجعت وأقبلت، (وبك خاصمت) وحاججت أعداءك، (اللهم إني أعوذ) وألتجئ (بعزتك) ومَنَعَتِك وغَلَبَتِك، (لا إله إلا أنت) ولا معبود بحق سواك، (أن تضلني) عن الهداية والتوفيق لرضاك، (أنت الحي الذي لا يموت) ولا يَفْنى، (والجن والإنس يموتون).
من فوائد الحديث
مشروعية تقديم الثناء على المسألة عند كل مطلوب.
وجوب التوكُّل على الله تعالى وحده وطلب الحفظ منه؛ لأنه مُتَّصف بصفات الكمال، فهو وحده الذي يُعتمد عليه، والخلق كلهم عاجزون ومنتهون إلى الموت، فهم ليسوا أهلًا للاعتماد عليهم.
التأسي بالنبي صلى الله عليه سلم في الدعاء بهذه الكلمات الجامعة المانعة التي تعبِّر عن صدق الإيمان وغاية اليقين.
قال السندي: قوله (أنت الحي) أي: فأنت الذي ينبغي به الاستعاذة لا غيرك.
المراجع
صحيح البخاري (9/ 117) (7383).
صحيح مسلم (4/ 2086) (2717).
تطريز رياض الصالحين، لفيصل آل مبارك (ص72).
فتح رب البرية بتلخيص الحموية، لابن عثيمين (ص79).
نزهة المتقين شرح رياض الصالحين، لمجموعة من الباحثين (1/ 109).
مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، عبيد الله المباركفوري (8/ 223).
كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أسألك الهدى» الطريق المستقيم من معرفة الحق والعمل به، «والتقى»، امتثال الأوامر واجتناب النواهي، «والعفاف» الكفّ عمّا لا يحل ولا يجمل من قول أو فعل، «والغنى» عن الخلق، بحيث لا يفتقر إلى أحد سوى ربِّه عز وجل.
من فوائد الحديث
شرف هذه الخصال: الهدى والتقى والعفاف والغنى، والحث على التخلق بها.
النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، وأن الذي يملك ذلك هو الله تعالى.
الذي يملك النفع والضر والهداية للخلق هو الله وحده، لا ملك مُقرّب ولا نبي مرسل ولا غيرهما.
المراجع
صحيح مسلم (4/ 2087) (2721).
بهجة الناظرين شرح رياض الصالحين، لسليم الهلالي (1/ 146).
تطريز رياض الصالحين، لفيصل المبارك (ص68).
كنوز رياض الصالحين، لمجموعة من الباحثين (2/ 183).
شرح رياض الصالحين، لابن عثيمين (1/ 528).
نزهة المتقين شرح رياض الصالحين، مجموعة من الباحثين (1/ 104).
أَخْبَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن قلوب بني آدم كلَّها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد؛ يُصَرِّفُه حيث يشاء؛ إن شاء أقامه على الحق، وإن شاء أَزَاغَه عن الحق، وتَصَرُّفُه في جميع القلوب كالتصرُّف في واحد لا يشغله سبحانه شَأنٌ عن شأنٍ، ثم دعا صلى الله عليه وسلم فقال: اللهم مُصَرِّفَ القلوبِ تارةً إلى الطاعة وتارةً إلى المعصية، وتارة إلى الذكر وتارة إلى الغفلة، صَرِّفْ قلوبَنا على طاعتك.
من فوائد الحديث
إثبات القَدَر، وأن الله يوجِّه قلوبَ عبادِه حسب القدر الذي كتبه عليهم.
ينبغي على المسلم إدامة سؤال ربه الثبات على الحق والهدى.
الخوف من الله والتَّعَلُّق به وحده لا شريك له.
قال الآجري: إن أهل الحق يَصِفُوْن الله عز وجل بما وصف به نفسه عز وجل، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، وبما وصفه به الصحابة رضي الله عنهم، وهذا مذهب العلماء ممن اتبع ولم يَبتدِع. انتهى. فأهل السنة يُثْبِتُوْن لله ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، ويَنْفُون عن الله ما نفاه عن نفسه، ويَسكتون عما لم يَرِدْ به نفيٌ ولا إثبات، قال الله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).
المراجع
صحيح مسلم (4/ 2045) (2654).
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، للنووي (16/ 204).
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن في جنة الآخرة مائة درجة ومنزلة، ما بين كل درجتين من المسافة كما بين السماء والأرض، وأعلى هذه الجنان جنة الفردوس، ومنها تفجر أنهار الجنة الأربعة، ومن فوق الفردوس يكون العرش؛ فإذا سألتم الله فسألوه الفردوس؛ حيث هي فوق جميع الجنان.
من فوائد الحديث
تفاوت أهل الجنة في منازلهم، وذلك بحسب الإيمان والأعمال الصالحة.
الحث على سؤال الله الفردوس الأعلى من الجنة.
الفردوس أعلى الجنة، وأفضلها.
ينبغي للمسلم أن تكون همته عالية وأن يسعى ويطلب أعلى المنازل وأفضلها عند الله تعالى.
أنهار الجنة الأربعة هي أنهار الماء واللبن والخمر والعسل المذكورة في القرآن في قوله تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى} [محمد: 15].